والصلاة والسلام على نبي الهدي والرحمة ، الذي بعث لإخراج خير أمة ، جُعِلت الكعبةُ قبلتها ، والحجُّ والعمرةُ سياحتها ، ولبيك اللهم لبيك شعارها ، والمسجد الحرام ملتقاها ، يفدون إليه من كل فج عميق، يذكرون الله بكل لسان ، ويؤدون عبادة عظيمة يبذلون فيها الأموال والأبدان والوجدان .
أحمده سبحانه وأشكره ، وأثنى عليه بما هو أهله ، هدانا لدينه القويم ، وشريعته المطهرة ، ارتضاها وأكملها .
أما بعد:
إن مايكتبه الكاتبون عن فضل مكة ، أو يؤلفه المؤلفون في شرف البيت ، أو يبحثه الباحثون في تعظيم المشاعر لايعدو أن يكون غيضًا من فيض .
فليس شرف هذه البقاع الطاهرة بالذي يستوعب ، وحسب الراغب بل حسب العاشق الإلماع دون الإشباع ، وتكفيه الإشارة عن طويل العبارة .
لقد اقتضت حكمة الله أن يجمع أهل الإسلام على قبلة واحدة ، كما شاء سبحانه أن يحفظ هذا البيت ليبقى قيامًا للناس ، ومثابة ، وأمنا، ومبعثًا للوحي ، ومصدرًا للإيمان . رفع الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام قواعد البيت ، وختمت النبوات والديانات بمحمد صلى الله عليه وسلم لتكون لأمته أمةٍ التوحيد قيادةُ ركب البشرية وهدايتها: .. الآية.
البيت الحرام قبلة المسلمين ، رمز التوحيد ، ومظهر الإيمان ، تشرئب إليها القلوب ، وتتطاول إليها الأعناق ، فهو مظهر وحدتهم، وسر اجتماعهم ، ومحور شعائرهم: ."من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا واكل ذبيحتنا فذلك المسلم".
وأمم الإسلام توليه شطرها ، فلا تمر ساعة أو لحظة من ليل أو نهار إلا ومتوجهون إلى هذا البيت ، ما بين قائم وقاعد ، وراكع وساجد، وقانت وخاشع .
هو أول البيوت وضعًا ؛ بنته الأنبياء الكرام بأيديها ، إبراهيم وإسماعيل ومحمد عليه الصلاة والسلام ، فله شرف الأولوية ، ودوام الحرمة، ومباشرة الأنبياء .
من هذا التاريخ تصدرت مكة ، وشرفت الكعبة ، وتقدس البيت ، يدينون لله بزيارته ، ويتقربون لله بحجه .