قال أهل العلم إن مواضع العبادات لا تتفاضل فيما بينها من جهة العبادة ، ولكنها تتفاضل بما تختص به من طول الزمان ، وقدم البنيان ، والنسبة إلى الباني ، وحسن المقصد . وقد جمع الله ذلك كله لهذا البيت المحرم فهو أول بيت وضع للناس ، وقد نسبه الله لنفسه تشريفًا وتكريمًا ، وباشر بناءه إبراهيمُ وإسماعيلُ ومحمدُ عليهم الصلاة والسلام .
ثم ليلحظ هذا السر فإن الله سبحانه لما أراد أن يفرض على عباده حج بيته قدم بذكر محاسن البيت ، وعظم شأنه ، وكبير شرفه تشويقًا وإغراء ، وتمجيدًا وتشريفًا فقال عز شأنه: .
وكما جعله الله مهوى الأفئدة فقد جعله للناس قيامًا ، فهو مدار لقيام أمر دينهم ودنياهم باجتماع أمرهم عليه ، وتوجههم في الصلاة من كل مكان إليه ، يحتاجون إليه في تمدنهم الذي به كمال معاشهم وحسن معادهم . وكم هو جميل لذي الفقه البصير أن يقارن بين المال والكعبة في هاتين الآيتين الكريمتين: وقوله سبحانه: .
يوضح ذلك الإمام القرطبي رحمه الله رابطًا بين وظيفة الملوك والولاة ووظيفة هذا البيت المعظم فيقول: قال العلماء: إن الله خلق الخلق وفيهم طبع من التحاسد والتنافس ، والتقاطع والتدابر ، والسلب والنهب ، والقتل والثأر ، فكان من حكمة الله الإلهية ، ومشيئته الأزلية أن هيأ لهم وازعًا يدوم معه الحال ، ورادعًا يحمد معه المآل ، فجعل لهم من أنفسهم ولاة وسلاطين يمنعونهم من التنازع ، ويحملونهم على التآلف ، ويردون الظالم عن المظلوم ، ويحفظون لكل ذي حق حقه ، فتجري على رأيهم الأمور ، ويكف الله بهم عاديات الجمهور .
ثم قال: وكذلك بيت الله سبحانه عظمه في قلوبهم ، وأوقع هيبته في نفوسهم ، وعظم فيهم حرمته ، فقال عز من قائل: .