فهرس الكتاب
وأما مشروعيته، فقال الموفق في «المغني» [1] : ومن أوتر من الليل ثم قام للتهجد، فالمستحب أن يصلي مثنى مثنى ولا ينقض وتره. روي ذلك عن أبي بكر الصديق، وعمار، وسعد بن أبي وقاص، وعائذ بن عمرو، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة. وكان علقمة لا يرى نقض الوتر. وبه قال طاوس، وأبو مجلز، وبه قال النخعي، ومالك، والأوزاعي، وأبو ثور. وقيل للإمام: أحمد ولا ترى نقض الوتر؟ فقال: لا. ثم قال: وإن ذهب إليه رجل فأرجو؛ لأنه قد فعله جماعة ...
إلى أن قال في «المغني» : ولنا ما روى قيس بن طلق، قال: زارنا طلق ابن علي في يوم من رمضان، فأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة، ثم انحدر إلى مسجد فصلى بأصحابه، حتى إذا بقي الوتر قدم رجلا. فقال: أوتر بأصحابك؛ فإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: «لا وتران في ليلة» [2] رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. وروي عن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنه قال: أما أنا، فإني أنام على فراشي، فإن استيقظت صليت شفعا حتى الصباح [3] . رواه الأثرم. وكان سعيد بن المسيب يفعله. اهـ.
وحاصل كلام الموفق - رحمه اللَّه- أن الأولى عدم نقض الوتر، وأن الإنسان إذا قام من الليل بعدما أوتر فالأفضل له أن يصلي مثنى مثنى، ولا يوتر قبلها ولا بعدها. وهذا هو المشهور من المذهب. واللَّه أعلم.
[106] صلاة التراويح
سائل يسأل عن صلاة التراويح. هل هي واجبة أم سنة؟ وهل لها عدد معين؟ وهل تشترط لها الجماعة؟ وهل الأفضل للإنسان أن يصليها في بيته كبقية النوافل أم يصليها مع الجماعة في المسجد؟
الإجابة:
صلاة التراويح في ليالي رمضان سنة مؤكدة؛ لحديث عائشة -رضي اللَّه عنها- أنها قالت: صلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في المسجد، فصلى بصلاته ناس كثير، ثم صلى من القابلة؛ فكثروا، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم. فلما أصبح قال: «قد رأيت صنيعكم، فما يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم» . وذلك في رمضان. متفق عليه [4] .
وأما عدد ركعات التراويح، فليس لها عدد معين؛ لعدم ثبوت التحديد عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» [5] : إن نفس قيام رمضان لم يوقت فيه النبي صلى الله عليه وسلم عددا معينًا، بل كان هو صلى الله عليه وسلم لا يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، لكن كان يطيل الركعات. فلما جمعهم عمر على أبي بن كعب كان يصلي بهم عشرين ركعة، ثم يوتر بثلاث، وكان يخفف القراءة بقدر ما زاد من الركعات؛ لأن ذلك أخف على المأمومين من تطويل الركعة الواحدة. ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة، ويوترون بثلاث. وآخرون قاموا بست وثلاثين، وأوتروا بثلاث. وهذا كله سائغ. فكيفما قام في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن. والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام، فالقيام بعشر ركعات وثلاث بعدها -كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في
(2) - أحمد (4/ 23) وأبو داود (1439) والنسائي (3/ 229، 230) والترمذي (470) وابن خزيمة (1101) ، واختلف في وصله وإرساله، كما في «علل ابن أبي حاتم» (554) ، وقد حسنه الحافظ في «الفتح» (2/ 481) .
(3) - عبد الرزاق (3/ 14) بنحوه، عن سعيد بن المسيب، مرسلًا.
(4) - البخاري (2012) ومسلم (761) .