فهرس الكتاب
فاللَّه تعالى قد جعل لأهل كل ملة يوما يتفرغون فيه للعبادة، لا للهو واللعب، ويتخلون فيه عن أشغال الدنيا. فيوم الجمعة يوم عبادة. وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور. وساعة الاستجابة فيه كليلة القدر في رمضان؛ ولهذا من صح له يوم جمعته وسَلِمَ سلمت له سائر أيام أسبوع جمعته. ومن صح له رمضان وسَلِم سلمت له سائر شهور سنته. ومن صحت له حَجّته وسلمت له صح له سائر عمره. فيوم الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضان ميزان العام، والحج ميزان العمر. فهذا اليوم الذي يستحب أن يتفرغ فيه العبد للعبادة. وله على سائر الأيام ميزة بأنواع العبادات الواجبة والمستحبة [1] .
قال ابن القيم [2] : ولما كان يوم الجمعة في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة -جعل اللَّه -سبحانه- التعجيل فيه إلى المسجد بدلا من القربان، وقائما مقامه؛ فيجتمع للرائح فيه إلى المسجد الصلاة والقربان، كما في «الصحيحين» [3] عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة. ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة» .
ومن أعظم شعائر هذا اليوم صلاة الجمعة [4] التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين. وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه - سوى مجمع عرفة- ومن تركها تهاونا بها طبع اللَّه على قلبه. وقُرْبُ أهل الجنة يوم القيامة من ربهم، وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد بحسب قُرْبهم من الإمام يوم الجمعة، وتبكيرهم إليها. وقد جاء من التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر، كما روى الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة [5] من حديث أبي الجعد الضمري -وكانت له صحبة- أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك ثلاث جُمَع تهاونا بها طبع اللَّه على قلبه» . قال الترمذي: حديث حسن. وفي رواية لابن خزيمة وابن حبان [6] : «من ترك الجمعة ثلاثا من غير عذر فهو منافق» . وفي أخرى لرزين [7] : «فقد برئ منه اللَّه» . وروى أحمد بإسناد حسن، وابن ماجه بإسناد جيد، والحاكم وصححه [8] : «من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع اللَّه على قلبه» . زاد البيهقي [9] : «وجعل قلبه قلب منافق» . وفي رواية لها شواهد [10] : «كتب من المنافقين» . وفي أخرى سندها صحيح عن ابن عباس موقوفة [11] : «فقد نبذ الإسلام وراء ظهره» .
وروى مسلم من حديث ابن عمر وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونُن من الغافلين» [12] .
وقد جاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر لمن تركها أن يتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار. رواه أبو داود والنسائي [13] من رواية قدامة
(1) - انظر «زاد المعاد» (1/ 398) .
(2) - «زاد المعاد» (1/ 398 - 399) .
(3) - البخاري (881) ومسلم (850) .
(4) - انظر «الزاد» (1/ 376) .
(5) - أحمد (3/ 424) وأبو داود (1052) والترمذي (500) والنسائي (3/ 88) وابن ماجه (1125) و «صحيح الترغيب» (729) .
(6) - ابن خزيمة (1857) وابن حبان (258) .
(7) - كما في «جامع الأصول» (3952) .
(8) - أحمد (3/ 332) وابن ماجه (1126) والحاكم (1/ 292) و «صحيح الترغيب» (730) .
(9) - البيهقي في «شعب الإيمان» (3005) وإسناده مرسل، ورواه الطبراني، وقال الهيثمي في رواية الطبراني: فيه من لم يعرف (2/ 193) .
(10) - الطبراني في «الكبير» (1/ 170) وفي إسناده جابر الجعفي.
(11) - رواه أبو يعلى (2712) والبيهقي في «الشعب» (3006) وعبدالرزاق (3/ 166) موقوفا على ابن عباس. وهو في «صحيح الترغيب» (735) ، وروي مرفوعا، ولا يصح.
(12) - مسلم (865) .
(13) - أبو داود (1053) والنسائي (3/ 89) وابن ماجه (1128) ، وهو حديث منكر.