فهرس الكتاب
باب نكاح الكفار ... [317] زواج المسلم بامرأةغير مسلمة وبالعكس
سائل يسأل عن حكم تزوج المسلم بامرأة غير مسلمة، سواء كانت مشركة أو مسيحية أو غيرهما، وعن تزوج المرأة المسلمة برجل غير مسلم سواء كان مسيحيا أو مشركا أو غيره، ويطلب بسط الجواب على هذا.
الإجابة:
لقد رأيت كلاما في هذا لبعض العلماء المعاصرين، وآثرت أن ألخص منه ما يتعلق بجواب سؤالكم اكتفاء به.
قال -جزاه اللَّه خيرا-: لا يخفى أن أفضل أنواع الزواج ما تلاقت عليه الرغبات، وخلصت له القلوب، وتناجت به الأرواح. ومن ضرورة ذلك أن تتفق العقيدة، وتتناسب الأخلاق، وتتحد الأهداف، وفي ظل ذلك التناسب يبسط الزواج على الحياة الزوجية نسيج السكن، والمودة، والرحمة؛ فتطيب الحياة وتسعد الأبناء والأسرة. ولا يتحقق ذلك على الوجه الأكمل -في نظر الإسلام- إلا إذا اتفق الزوجان في الدين والعقيدة، وكانا مسلمين يأتمران بأمر الإسلام وينتهيان بنهيه، ويشد الإسلام ما بين قلبيهما من رباط.
أما إذا كان الزوج غير مسلم والزوجة مسلمة، أو كانت الزوجة غير مسلمة والزوج مسلما، فإن الحكم في الإسلام له وجه آخر.
فهو بالنسبة للفرض الأول: وهو أن يكون الزوج غير مسلم والزوجة مسلمة، فحكمه الحرمة القطعية والمنع البات، وهو من الأحكام التي أجمعت عليها الأمة من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وصار منعه في الإسلام من الأحكام التي يقول عنها الفقهاء: إن العلم بها ضروري، يحكم على من أباحه بالخروج عن الدين.
أما الفرض الثاني وهو تزوج المسلم بغير المسلمة، فيجب أن يفرق أولًا- في غير المسلمة، بين المشركة التي لا تقر باللَّه ولا بكتاب سماوي، وبين الكتابية التي تعترف بالألوهية وتعترف بمبدأ رسالات اللَّه إلى خلقه وتؤمن بيوم البعث والجزاء. فالإسلام يرى بالنسبة للمشركة أن زواجها باطل، ولا يحل لمسلم أن يبني معها حياة زوجية، وقد جاء ذلك المنع في صريح القرآن الذي لا يحتمل تأويلا، ومن هنا كان محل إجماع أيضا بين علماء الإسلام، ولم يُعرف لأحد منهم رأي يحله، وذلك قوله تعالى: {وََلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ} [1] .
أما تزوج المسلم بالكتابية ذات الدين السماوي والكتاب الإلهي، فقد اختلف فيه علماء الإسلام فمنهم من أباحه؛ مستندا في ذلك إلى ظاهر قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [2] قالوا: فَرَّقَت هذه الآية بين المشركة التي حرم اللَّه التزوج بها، بقوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [3] وبين الكتابية؛ فأباحت التزوج بها. ومنهم من طرد المنع ورأى حرمة التزوج بالكتابية مطلقا، وأن شأنها شأن المشركة، ونُسب ذلك الرأي إلى عبد اللَّه بن عمر وغيره، وبه يقول بعض التابعين، ودرج عليه بعض الأئمة -رحمهم اللَّه-. وحجتهم في ذلك: أن الكتابية إذا غيرت وبدلت وأنكرت رسالة محمد -عليه السلام-، كانت داخلة في عموم المشركات، وإيمانها باللَّه -فقط -لا يخرجها- عن دائرة الشرك، فإن اللَّه تعالى يقول: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} [4] . ويستندون أيضا في هذا المنع إلى الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار كقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
(1) - سورة البقرة: الآية (221) .
(2) - سورة المائدة: الآية (5) .
(3) - سورة البقرة: الآية (221) .
(4) - سورة يوسف: الآية (106) .