فهرس الكتاب
[363] ما ورد بشأن ... الإفتاء والمفتين
وصل كتابك الأول، المتضمن ثلاث مسائل، وقد نشر الجواب على السؤال الأول، ثم وصل كتابك الثاني والثالث الذي تلومنا فيه على تأخير الجواب، وتذكر أن هذه المسائل خفيفة لا تستوجب التأخير، وأطلت سامحك اللَّه بالعتاب، ومع أنك طالب علم، وربما أنك قد سمعت بعض ما ورد في شأن الإفتاء والتسرع فيه، إلا أني أزيدك فائدة قد تخفى عليك، وهي أن الإفتاء أمره عظيم.
كان السلف -رحمهم اللَّه تعالى- يهابون الفتيا، ويشددون فيها، ويتدافعون عنها. قال النووي [1] : روينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية: ما منهم من يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. اهـ. وأنكر الإمام أحمد وغيره على من يهجم على الجواب. وقال: لا ينبغي للرجل أن يجيب في كل ما يستفتى فيه، وقال أيضا [2] : إذا هاب الرجل شيئا فلا ينبغي أن يُحمل على أن يقول. وقال: لا ينبغي للرجل الفتيا حتى يكون فيه خمس خصال:
-إحداها: أن تكون له نية، أي يخلص في ذلك لله تعالى.
-الثانية: أن يكون له حلم، ووقار، وسكينة.
-الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه، وعلى معرفته؛ وإلا قد عرض نفسه لعظيم.
-الرابعة: الكفاية؛ وإلا أبغضه الناس، فإنه إذا لم تكن له كفاية احتاج إلى الأخذ مما في أيديهم، فينفرون منه.
-الخامسة: معرفة الناس، أي ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس، وخداعهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا مما يصورونه في سؤالاتهم؛ لئلا يوقعوه في المكروه.
قال الخطيب [3] : وينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمن صلح للفتيا أقره، ومن لا يصلح منعه، ونهاه أن يعود، وتوعده بالعقوبة إن عاد.
إذا عُرف هذا، فهناك مسائل من أحكام الفتيا ينبغي معرفتها، وملاحظتها:
-أولا: أنه لا يلزم المفتي أن يجيب على كل ما يسأل عنه، فما زال العلماء سلفا وخلفا يتوقفون في بعض المسائل، ويقولون: (لا أدري) ، فهذا عبداللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- سئل عن ميراث العمة [4] ، فقال: (لا أدري) . فقال السائل: أنت لا تدري! قال: نعم، اذهب إلى العلماء في المدينة، فاسألهم، فلما أدبر، قبّل ابن عمر يدي نفسه. وقال: نعِمّا. قال أبو عبدالرحمن؛ يعني نفسه، سئل عما لا يدري، فقال: (لا أدري) . وقال الإمام مالك [5] : من فقه العالم أن يقول: (لا أعلم) ، فإنه عسى أن يتهيأ له الخير. وقال الشعبي [6] : (لا أدري) نصف العلم.
-ثانيا: أنه لا يلزم جواب ما لم يقع من المسائل. قال ابن عباس لمولاه عكرمة [7] : اذهب فأفت الناس، وأنا لك عون، فمن سألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس. وكان بعض
(1) - مقدمة «المجموع» (1/ 74) .
(2) - نقله ابن مفلح في «"الآداب الشرعية"» (2/ 62، 63) عن رواية الأثرم.
(3) - مقدمة «المجموع» (1/ 75) وهو في «الفقيه والمتفقه» بمعناه (2/ 153، 154) .
(4) - ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (2/ 64) .
(5) - «جامع بيان العلم» (2/ 53،54) .
(6) - «الفقيه والمتفقه» (2/ 173) ، وهو في الدارمي (1/ 63) .
(7) - ... - «الجرح و التعديل» (7/ 8) و «تهذيب الكمال» (20/ 269) والذهبي في «السير» (5/ 14) .