فهرس الكتاب
وقال الإمام أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الحفيد المالكي -المتوفى سنة 595هـ- في «بداية المجتهد» [1] : اختلفوا في المني: هل هو نجس أم لا؟ فذهبت طائفة، منهم مالك وأبو حنيفة إلى أنه نجس. وذهبت طائفة إلى أنه طاهر، وبهذا قال الشافعي وأحمد وداود.
وسبب اختلافهم فيه شيئان:
أحدهما: اضطراب الرواية في حديث عائشة؛ وذلك أن في بعضها: كنت أغسل ثوب رسول اللَّه صلى الله عليه و سلم من المني، فيخرج إلى الصلاة، وإن فيه لبقعَ الماء. [2]
وفي بعضها: أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه و سلم.
وفي بعضها: فيصلي فيه. خرّج هذه الزيادة مسلم.
والسبب الثاني: تردد المني بين أن يُشَبَّه بالأحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة، كاللبن وغيره.
فَمَنْ جَمَعَ الأحاديث كلها؛ بأن حمل الغَسل على باب النظافة، واستدل من الفرك على الطهارة، على أصله: في أن الفرك لا يطهر نجاسة، وقاسه على اللبن وغيره من الفضلات الشريفة- لم يره نجسا. ومن رجّح حديث الغسل على الفرك وفهم منه النجاسة، وكان بالأحداث عنده أشبه منه مما ليس بحدث- قال: إنه نجس؛ وكذلك أيضا من اعتقد أن النجاسة تزول بالفرك، وقال: الفرك يدل على نجاسته كما يدل الغسل. وهو مذهب أبي حنيفة.
وعلى هذا، فلا حجة لأولئك في قول عائشة -رضي الله عنها-: (فيصلي فيه) بل فيه حجة لأبي حنيفة في أن النجاسة تزال بغير الماء، وهو خلاف قول المالكية. انتهى. واللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
(2) - البخاري: (229، 230، 231، 232) ومسلم: (2899) ، وغيرهما.