فصل في أنه هل تصح المنفعة صداقًا؟
قال الله تعالى إخبارًا عن شُعيب قال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ} [القصص: 27] . فشرع من قبلنا يلزمنا إذا لم يرد به النسخ.
كلُّ عملٍ جاز عقدُ الإجارة عليه - جاز أن يجعل صداقًا؛ مثل: الخدمة، والبناء، والخياطة، وتعليم القرآن، والحرفة.
وعند أبي حنيفة: منفعة الحر لا تجوز أن تُجعل صداقًا، ومنفعة العبد تجوز، وفعل شعيب حجة على جوازه.
وكذلك عنده لا يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقًا، والدليل على جوازه: ما روي عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن ل بها حاجة. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"هل عندك من شيء تصدقها إياه؟"فقال: ما عندي إلا إزاري هذا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك، فالتمس ولو خاتمًا من حديد". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هل معك شيءٌ من القرآن؟"قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا سورٌ سماها. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"زوجتُكها بما معك من القرآن".
وفي رواية"زوجتكها فعلمها". ففيه دليلٌ على جواز أن يتزوج على القليل التافه من المال؛ فإن خاتم الحديد لا قيمة له إلا الشيء القليل، ودليلٌ على جواز أن يُجعل القرآن صداقًا.
فإن نكحها على تعليم القرآن، أو على تعليم سورة عينها - جاز، ولزمه التعليم.
وإن سمى آية لا يلحقه كُلفة في تعليمها؛ كقوله: {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] ونحوه - يجب مهر المثل؛ لأنه تعليمه لا يتقوم؛ كما لو نكح على حبةِ حنطةٍ.
ولو شرط على تعليم آية أو سورةٍ ولم يبين - يجبُ مهر المثل، وإن زوجها على أن يُعلمها سورة بعينها، وبين أنه يعلمها بحرف ابن كثير، أو أبي عمرو - جاز، وإن أطلق ولم يبين ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن هذه الحروف ينوب بعضها عن بعض؛ فله أن يعلمها بأي حرفٍ شاء مما تجوز قراءته؛ كما لو نكحها على قفيز من صُبرة يكال بأي قفيز شاء إذا كان لا يتفاوت.