فهرس الكتاب
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمثلٍ» ، وما على النَّخل ثَمَرٌ، فلا يجوز بيعه بالتَّمْرِ إلاّ كذلك. وأمّا العَرِيَّةُ التي فيها الرُّخصة فهي العَطِيّةُ دون البيع، وبه قال مالك. وتفسيرها أن يهب الرُّجل ثمرة نخلةٍ من بستانه لإنسانٍ ثم يشقّ عليه الدُّخول في بُسْتَانِهِ كلّ يومٍ، ولا يرضى بالخُلْف في الوعد، والرّجوع في الهبة، فيعطيه مكان ذلك تمرًا مجذوذًا بالخَرْص ليدفع ضرره عن نفسه. وهذا جائزٌ عندنا، لأنّ الموهوب لا يصير ملكًا للموهوب له ما دام متصلًا بملك الواهب، فما يعطيه من التّمر لا يكون عوضًا بل هبةً مبتدأة، وإنّما سُمِّيَ بيعًا مجازًا لأنَّه في صورته. ثمّ ذلك المرويّ اتُّفِقَ أنه كان أقل من خمسة أوْسُقٍ أو خمسةَ أوْسُقٍ، فظنّ الرَّاوي أنّ الرُّخصة مقصورةٌ على ذلك القَدْر.
وقال قومٌ: العرايا: أنْ يكون له النّخلة أو النَّخلتان في وسط النّخل الكثير لرجلٍ آخر، وكان أهل المدينة يخرجون وقت الثِّمار إلى حوائطهم بأهليهم، فيضرّ ممرّ صاحب النَّخلة صاحب النّخل الكثير، فرخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعْطِي صاحبَ النُخلة خرص ماله من ذلك تمرًا لينصرف عنه ويَخْلُصَ التّمر كله له. وهذا مرويّ عن مالك، والتأويل الأول قول أبي حنيفة رحمه الله. قال الطَّحَاوِيّ، وهو أنسب وأولى ممّا قال مالك، لأنّ العَرِيَّة إنَّما هي العَطِيَّة.