فهرس الكتاب
أمّا في رأس المال، فلأنّ قبضه في المجلس حقّ الله تعالى، وفي التَّصرّف فيه قبل قبضه تعرّض لتفويت ذلك. وأمّا في المُسْلَم فيه، فلما أخرجه أبو داود، وابن ماجه والترمذي في «عِلَله الكبير» ـ وقال: لا أعرفه إلاّ من هذا الوجه، وهو حسنٌ ـ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرِفْه إلى غيره» . وما روى عبد الرَّزّاق في «مصنفه» عن مَعْمَر، عن قَتَادة، عن ابن عمر أنه قال: إذا أسلفت في شيءٍ، فلا تأخذ إلاّ رأس مالك أو الذي أسلفت فيه.
ولو أسلم في رُطَبٍ فأخذ مثله تمرًا، أو بالعكس، صحّ عند أبي حنيفة رحمه الله، نظرًا إلى التَّساوي في الحال، ولم يصحّ عندهما نظرًا إلى التَّفاوت في المآل. ولو أخذ دقيقًا، أو سَوِيقًا، أو مَقْلِيًّا عن بُرّ، أو أخذ دقيقًا عن سويقٍ أو بالعكس لا يصحّ لاختلاف الجنس فكان استبدالًا. وإن تقايلا عقد السَّلم مَنَعْنَا ربَّ السّلم شراء شيءٍ من المُسْلَم إليه برأس المال استحسانًا. ولم يمنعه زُفَر قياسًا، لأنه لمّا بطل السَّلم بقي رأس المال دينًا في ذمته، فيصحّ الاستبدال به كسائر الديون.
ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أسلم في شيءٍ، فلا يصرفه إلى غيره» . رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه. ورواه الدَّارَقُطْنِيّ عن إبراهيم بن سعيد الجَوْهَرِيّ، ولفظه: «فلا يأخذ إلاّ ما أسلم فيه، أو رأس ماله» .
(فصلٌ في الاستصناع)