الصفحة 1445 من 2344

(والاسْتِصْنَاعُ) استفعالٌ من الصنع، وهو العمل من نحو خُفَ وَطَسْتٍ. وصورته: أن يقول لخفّافٍ: اخرز لي خُفًّا من أديمك يوافق رجلي، ويريه رجله بكذا (بأجَلٍ) يضرب مثله للسَّلم (سَلَمٌ) فيعتبر فيه شروطُ السَّلَم سواء (تَعَامَلُوا فِيهِ) كالخفاف (أوْ لاَ) كالثياب. وقال أبو يوسف ومحمد: هو فيما تعاملوا فيه استصناعٌ، لأنه بلفظه فيحمل عليه، ويكون ذلك الأجل للاستعجال لا للاستمهال، بخلاف ما لم يتعاملوا فيه لأنّه استصناعٌ فاسدٌ، فيحمل على السَّلم الصحيح.

ولأبي حنيفة: أنّ الاستصناع يحتمل السَّلم، فكان حَمْلُه عليه أولى، لأنّ جوازه بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وجواز الاستصناع بالتّعامل. وقيّدنا الأجل بكونه يُضْرب مِثْلُه للسَّلم، لأنّه لو قال: على أن يفرغه غدًا، أو بعد غدٍ لا يكون سَلَمًا، لأنّ ذكر المدة حينئذٍ للفراغ من العمل للمطالبة. وقال زفر والشَّافعيّ: لا يصحّ الاستصناع، وهو القياس، لأنّه لا يمكن تجويزه إجارةً، لأنه استئجار على العمل في ملك الآخر إذ الأديم ملك الصانع. ولا بيعًا لأنه بيع ما ليس عنده، ولا سلمًا لفقد شرائطه، ولكن جوّزناه استحسانًا بالتّعامل الراجع إلى الإجماع العملي من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم بلا نكيرٍ، والتّعامل بهذه الصفة أصلٌ مندرجٌ في قوله عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» .

(وَ) الاستصناع (بِلاَ أَجَلٍ فِيمَا يَتَعَامَلُ) النّاس (فِيهِ بيعٌ) لا عِدَةٌ. وكان الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة، وإنّما ينعقد بالتّعاطي إذا جاء به الصانع مفروغًا منه، ولهذا ثبت الخيار لكل منهما. والصحيح عند الجمهور أنه بيعٌ، لأنّ محمدًا سمَّاه شراءً، وذكر فيه القياس والاستحسان، وفصّل بين ما فيه تعامل وبين ما لا تعامل فيه. والمواعدة تجوز قياسًا واستحسانًا في الكلّ. قيل: وحكم الحاكم أحكم، والله سبحانه وتعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت