الصفحة 1548 من 2344

(فلا غَصْبَ في العَقَار) لما تقدم مِنْ أَنَّ الغَصْبَ فيما يُنْقل (حَتَّى لَوْ هَلَكَ) العَقار بآفةٍ سماويةٍ، أَو انهدم بناء الدار بسيل (في يَدِهِ) أَي يد آخِذِه قَهْرًَا من مالكه (لا يَضْمَنُ) وهذا عند أَبي حنيفة، وأَبي يوسف رحمهما الله تعالى. وقال محمد: في العَقار الغَصْب، ويضمن بالهلاك في يد آخِذه قَهْرًا عن مالكه، وهو قول أَبي يوسف أَولًا، وبه قال مالك والشَّافعيّ وأَحمد، لأَنه أَثبت يده على وَجْهٍ تضمن تفويت يد المالك عنه، فانعقد ذلك سببًا للضمان، كما في المنقول.

ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أَنَّ الغَصْبَ إِزَالَةُ اليد المُحِقَّة بإِثبات اليد المبطلة، لأَن الواجب ضَمَانُ جَبْرٍ فيعتمد التفويت، وإِزالة يد المالك إِنَّما تكون بالنقل والتحويل، وذا لا يتصور في العَقَار، وإِنما يتصور فيه منع المالك عنه، ومنع المالك تَصَرفٌ فيه لا في المحل. وصار كما لو بَعُدَ المالك عن مواشيه حتى تَلِفَتْ بذلك.

وأَمَّا قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَصَبَ شِبْرًَا مِنْ أَرْضٍ طَوَّقَهُ اللَّهُ تعالى يومَ القيامةِ مِنْ سَبْع أَرَضين» ، فلا يدل على أَنه يتحقق فيه الغَصْب الموجِب للضَّمَان، كإِطلاق لفظ البيع على بيع الحر في حديث: «مَنْ باع حرًا» . قال ابن الأَثير: طوقه من سبع أَرضين: أَي يخسف الله به الأَرض فتصير البقعةُ المغصوبة منها في عُنُقه كالطَّوْق. ويؤيده أَنه في روايةٍ للبخاري: «خسف به إِلى سَبْع أَرضين» . وفي «مسند ابن أَبي شيبة» : «من غصب شِبْرًَا من أَرْضٍ جاءته إِسْطَامًَا في عنقه» . والإِسْطَام: كالحَلَق من الحديد. وقيل: هو أَنْ يُطَوَّقَ حَمْلَهَا يومَ القيامة، أَي يُكَلَّفه، فيكون من طوق التكليف لا من طَوْق التقليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت