هذا، والحديث المذكور هو حجتنا في ذلك، فإِنه صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ جزاء غاصب العَقار الوعيد في العُقْبَى ولم يذكر الضمان في الدنيا، فذلك دليلٌ على أَنَّ المذكور جميع جزائه، ولو كان الضمان واجبًا لكان الأَوْلى أَن يُبَيِّنَهُ، لأَنَّ الحاجة إِليه أَمْسّ.
(وما نَقَص) العَقار (بِفِعْلِهِ) أَو بِسُكْنَاه في الدار وزرعه في الأَرض (يُضْمَنُ) عندهم جميعًا، لأَنَّ هذا إِتلافٌ، والعقار يُضْمن بالإِتلاف اتفاقًا، كما إِذا نقل ترابه، لأنه فِعْلٌ في العين. وجاز أَنْ لا يضمن بالغَصْب، ويضمن بالإِتلاف كالحُرِّ.
(واسْتِخْدَامُ العَبْدِ) والحَمْلُ على الدابةِ (غَصْبٌ، لا جُلُوْسُهُ) أَي ليس جلوس الجالس (عَلَى البِسَاطِ) الذي لغيره غَصْبًَا له، لأَنه بجلوسه عليه لم يفعل فيه شيئًا يكون به مزيلًا لِيَدِ مالكه، وبسط البِسَاطِ فِعْلُ مالكه. فتبقى يده فيه ما بقي أَثَرُ فعله، بخلاف استخدام العبد، والحمل على الدابة، فإِنه بالتصرف فيهما أَثبت يده عليهما، وذلك موجِبٌ لِقَصْر يد مالكهما عنهما.
(حُكْم الغَصْب)
(وحُكْمُهُ) أَي الغَصْب (الإِثْمُ لِمَنْ عَلِمَ) أَن ذلك الفعل غَصْب وأَقدم عليه بإِجماع الأُمة (وَرَدُّ العَيْنِ) في مكان غَصْبِهِ حال كونها (قَائِمَةً، والغُرْمُ) حال كونها (هَالِكَةً) لِمَنْ علم. ولِمَنْ لا يعلم: بأَن ظَنَّ أَنَّ المأخوذ مالُه، أَو اشترى عَيْنًَا فاسْتُحِقَّت، لأَن هذا حق العبد، وهو لا يتوقف على العلم والقصد بالإِجماع. أَما رَدُّ العين، فلقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُ لأَحدٍ أَن يَأخذَ متاعَ أَخِيْهِ لاعِبًَا، أَو جَادًّا، فإِنْ أَخَذَهُ فَلْيَرُدَّهُ إِليه» . ولقوله صلى الله عليه وسلم: «على اليد ما أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَه» . وأَما غُرْمه، فلأَنه يقوم مقام عينه عند العجز عنها، فإِن نقص ضَمِن اعتبارًا للجزء بالكل.