أما قولُ صاحب «الهداية» : «والمفروضُ في مسحِ الرأس مقدارُ الناصية، وهو رُبعُ الرأس، لما روى المُغيرةُ بن شُعبة: «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَتَى سُباطَةَ قومٍ فبال، وتوضَّأ ومسَحَ على ناصِيَتِهِ وخُفَّيه» فمركَّبٌ من حديث المغيرة وحديث حذيفة، أَما حديث المغيرة فرواه مسلم عنه: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم توضَّأ فمسَحَ بناصيته وعلى العِمامة وعلى خُفَّيه» . وأمَّا حديث حذيفة فرواه الشيخان عنه قال: «أَتَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ قومٍ فبال قائمًا، ثم دعا بماءٍ فجئتُه بماء فتوضَّأ» ، وفي روايةٍ لمسلم: «فتوضَّأ، فمسَحَ على خُفَّيه» . وقد رواه ابنُ ماجه عن المغيرة بأَسنادٍ مختلفة مختلَفٍ فيه كما ساقه صاحبُ «الهداية» . ومعلومٌ أنَّ الناصيةَ ومقدَّمَ الرأس أحَدُ جوانبه الأربعة، إذ ظاهرهُ استيعابُ تمام المقدَّم، وتمامُه هو الرُّبع المسمَّى بالناصية، فلو كان مسحُ ربع الرأس ليس بمُجزىءٍ لم يَقتَصر في ذلك الوقت عليه، ولو كان مسحُ ما دونه مُجزِئًا لَفعَلَه صلى الله عليه وسلم ولو مرَّةً في عُمُرِه تعليمًا للجواز، إذ يجب عليه مثلُ ذلك.
بقي الكلامُ على أنَّ مسحَ الرُّبع فرضٌ عملي لا اعتقادي، لأنَّ خبرَ الآحادِ ظنّي في نفسِه مع قطعِ النظر عن صحة دلالته. وقد يُطلقُ الفرضُ على ما يفوت الجوازُ بفوته، كغَسْل الفم والأنف في الغُسل، ويُسمَّى ذلك فرضًا ظنيًّا.
والواجبُ: هو الذي لا يَلزَمُ اعتقادُ حقِّيَتِه، لثبوتِه بدليلٍ ظنيّ. ويَلزَمُ العمَلُ بمُوجَبِهِ للدلائل الدالَّةِ على وجوب اتِّباع الظنّ في أخبار الآحاد. وقد يُستعملُ الواجبُ بمعنى الفَرْض وبالعكس، كقولهم: الحجُّ واجب، والوِتْرُ فَرْض.