الصفحة 17 من 2344

ثم قوله تعالى: {وأرجُلَكم} بالنصب على قراءةِ نافعٍ وابن عامر وحفصٍ والكِسائيِّ عطفًا على {وجوهَكم} . والباقون بالجرّ. فقيل: على الجِوَار، كقولهم: ماءُ بئرٍ باردٍ، وجُحْرُ ضَبَ خَرِبٍ. وحكمةُ العُدُولِ إفادةُ الترتيب سُنِّيَّةٍ أو وجوبًا. وقيل: عُطِفَتْ على الممسوحِ لا لتُمْسَح بل ليُنبَّه على وجوبِ الاقتصاد في صَبّ الماءِ عليها، لكون غَسْل الرِّجْل مظِنَّةً للإسرافِ الموهوم. ونبَّه بقوله: {إلى الكعبين} على أنها غيرُ ممسوحة، لأن المسح لم يُضرَبُ له غاية في الشريعة.

والأظهَرُ أنّ القراءتين مُبْهَمتان محمولتان على الحالتين، كما نبّه عليه عليه الصلاة والسلام بفعلهِ حيث غَسَلهما وقت عُرْيهِما، ومسَح عليهما حالَ لبسِهما، وقد قال الله تعالى: {لتُبَيِّنَ للناس ما نُزِّل إليهم} . ومما يدلُّ عليه ما تواتَرَ عنه أنه عليه الصلاة والسلام كان يَغْسلِ رجْلَهِ. ولم يُرْوَ أنه مسَحَ على رِجْلهِ قطُّ مكشوفة، بل ولمَّا رأى لُمْعة على رِجْلَيْ بعض الصحابة حيث غَسَلهُمَا عَجَلَةً قال: «ويلٌ للأعقاب من النار» رواه مسلم.

(وكلِّ ما يستر) بالجرّ، عَطْفٌ على رُبْع رأسِه، أي ومَسْحِ كلِّ ما يُغَطّي (البشرة من لحيتهِ) بيانٌ لـ «مَا» ، والبَشَرةُ ظاهِرُ البَشَر. واحتَرَز بما يَسترها عن الشَّعر المسترسِل، فإنه لا يجب غَسْلُه عندنا، وأوجَبَه مالكٌ والشافعيُّ بقوله عليه الصلاة والسلام لرجُلٍ غطَّى لحيتَه بثوبٍ: «اكشِفْها فإنها مِن الوجه» . والجوابُ أنه غيرُ صحيح، ولا على المدَّعَى صريح. ثم هذه روايةٌ عن أبي حنيفة، ووجهُهَا أنَّ غَسْلَ البَشَرَة لمَّا سقَطَ لعدَمِ المواجهةِ بها أو لعُسْرِه، وجَبَ مَسْحُ شيء هو ساتِرُها كالجَبيرة.

أو عطفٌ على رأسهِ، أي ومَسْحِ رُبع كلّ ما يسترها. فعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: يجِبُ مَسْحُ رُبع ساتِرِ البَشَرة، لأنه لمَّا سَقَطَ غَسْلُ ما تحته صار كالرأس يُفترَضُ مَسْحُ ربعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت