فهرس الكتاب
ووجه الاستحسان أَنَّ هذا إِنَّما يصح بطريق الوصية من المريض لِوَارِثِه أَن يَقْضِي دَيْنَه، لا بطريق الكفالة عنه، ولهذا صح وإِن لم يُسم المَريض الدَّيْن ولا رَبّ الدَّيْن، لأَن الجهالة لا تمنع صحة الوصية. وقالوا: إِنما تَصِحُّ إِذا كان له مَالٌ. ولو قال المريض لأَجنبي: تَكَفَّل عني بِمَا عَلَيّ مِنْ الدَّيْن،. فَتَكفَّل عنه، اختلف المشايخ: فقيل: لا تصح، وقيل: تصح.
(و) لا تصح الكفالة (بِمَالِ الكِتَابَةِ) وهو قول أَكثر أَهْل العِلمْ، وعن أَحمد في روايةٍ تصح (والعُهْدةِ) ـ بالجر ـ أَي ولا تصح الكفالة بالعهدة. وصورتُهَا: أَنْ يشتري عبدًا فيضمن له آخِرَ عُهْدَتِه. وإِنما لم يصح ذلك لأَن العُهْدة اسمٌ يقع على الصَّكِّ القديم، وهو مِلْك البائع ولا يلزمه تسليمُه، فإِنْ ضَمِن الكفيل بتسليمه إِلى المُشْتَرِي فقد ضَمِن ما لا يَقْدِرُ عليه، ويقع على العَقْد، وعلى حقوقه، وعلى الدَّرَك، وعلى خِيار الشَّرْط، فبطلت كَفالته للجهالة، بخلاف الدَّرَك، فإِنَّ كفالته صحيحةٌ بالإِجماع، لأَنه عبارةٌ عن ضمان الثمن عند استحقاق المبيع، وهو أَمْرٌ، معلومٌ مَقْدُور التسليم (والخَلاَصِ) أَي ولا تصح الكفالة بالخلاص، وهذا عند أَبي حنيفة. وعندهما تصح.
وهذا الخلاف مبنيٌ على تفسيره: فعندهما: هو تَخْلِيص البائع إِنْ قَدَرَ عليه، ورَدُّ ثمنه إِنْ لَمْ يَقْدِر، وهذا ضمان الدَّرَك في المعنى. وعنده: تخليصُ المبيع عن المستحق، وتسليمُه إِلى المشتري، والكفيل لا يَقْدِرُ على ذلك، لأَن المستحِقّ لا يُمَكِّنه منه. ولو كفل بتخليص المبيع أَو رَدِّ الثمن صح، لأَنه كفل بما يمكنه الوفاء، وهو تسليم المبيع إِنْ أَجاز المستحِق، ورَدُّ الثمن إِنْ لم يُجِز.