فهرس الكتاب
وفي «سُنن أَبي داود» أَنَّ رَافِعَ بنَ خَدِيج قال: كنا نُخَابِرُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَذَكَر أَن بعضَ عمومته أَتاه فقال: نَهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أَمْرٍ كان لنا نافعًا، وطواعيةُ اللَّهِ ورسوله أَنفْعُ (لَنا، و) قال: قلنا وما ذاكَ؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كانت له أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَو لِيُزْرِعْهَا أَخاه، ولا يُكَارِيها بِثُلُثٍ، ولا رُبْع، ولا بِطَعام مُسَمَّى» . ولأَن المزارعة استئجارٌ بأَجْرٍ مجهولٍ أَو معدومٍ، وكلّ منهما مُفْسِدٌ، ولأَنها استئجارٌ بِبعضِ ما يخرج من العمل، فيكون في معنى قفيزِ الطحَّان: وهو أَنْ يستأْجر رجلًا لِيَطْحَنَ له كُرَّ حنطةٍ بقفيزٍ من دقيقها.
وأَما ما أَخذه النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهل خَيبرَ فإِنما كان خَراجَ مقاسمةٍ بطريق المَنِّ والصلح، وذلك جائزٌ بدليلِ أَنه عليه الصلاة والسلام لم يُبَيّن لهم المدة، ولو كانت مزارعةً لَبَيَّنَهَا، لأَن المزارعة لا تجوز عند مَنْ يُجِيزها إِلاَّ بِبَيان المدة.
وقال أَبو بكر الرازي: ومِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ ما شُرِطَ عليهم من نصف الثمر والزرع كان على وَجْه الجزية، أَنه لم يَرِدْ في شيءٍ من الأَخبار أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَخذ منهم الجزيةَ إِلى أَنْ مات، ولا أَبو بكر إِلى أَن مات، ولا عمرُ إِلى أَن أَجلاَهم، ولو لم يكن ذلك جزيةً لأَخذ منهم الجِزيةَ حين نزلت آيةُ الجزية.
والحيلة عنده: أَن يستأْجِر ربَّ البَذْرِ (و) العَامِلَ بأَجْرٍ مَعلومٍ إِلى مدةٍ معلومةٍ، فإِذا مضت المدةُ يعطيه بعضَ الخارج عما وجب له مِنْ الأَجر في ذمته، سواء حصل الخارج أَو لا، فيجوز ذلك بِرِضَاهُمَا، كالدَّيْن إِذا أَعطى عنه خلاف جنسه.