فهرس الكتاب
وأَما ما فيه من قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لم يَذَرِ المُخَابَرَةَ فَلْيُؤذِن بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ ورسوله» ، فمحمولٌ على قول رافع: كُنَّا أَكثرَ أَهل المدينة حَقلًا، وكان أَحدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فيقول: هذه القطعةُ لي، وهَذِهِ لك، فرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِه، ولم تُخْرِج ذِه، فنهاهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم. متفق عليه.
وقد قال أَبو جعفر: ما بالمدينةِ أَهْلُ بيتِ هجرةٍ إِلاَّ يَزْرَعُونَ على الثُّلْثِ والرُّبُعِ. زَارَعَ عليٌّ، وسعد ابن مالك، وعبدالله بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقَاسِم، وعُروة، وآل أَبي بكر، وآل عمر، وابن سيرين. وعامَل عمرُ الناسَ على أَنه: إِنْ جاءَ عمرُ بالبذر مِنْ عِنْدِهِ فله الشَّطْرُ، وإِن جاؤوا بالبَذْرِ فلهم كذا. رواه البخاري.
ولأَنها عقدُ شركةٍ بين المال والعمل، فيجوز كما في المضاربة، والجامعُ الحاجةُ، لأَن صاحب الأَرض قد لا يَقْدِر على العمل، والقادر على العمل قد لا يَجِد الأَرض، فَمَسَّت الحاجةُ إِلى المزارعة لتنتظم مصلحتُهما وتحصل منفعتُهما من الرَّيْع، كما أَنَّ مَنْ له مالٌ قد لا يهتدي إِلى التجارة، ومَنْ يهتدي إِلى التجارة قد لا يكون له مالٌ، فَمَسَّت الحاجةُ إِلى المضاربة.
(وبِهِ) أَي وبقولهما في المزارعة (يُفْتَى) لحاجةِ الناس إِليها، وتعامُلِ الناس بها، والقياس يُتْرَك بالتعامل كما في الاستصناع. وقد أَجازها الخلفاء الراشدون، وعُمْدةٌ من الأَنصار والمهاجرين.
وأَما ما رواه من النَّص عن النهي فمُؤَوَّلٌ، فإِنهم كانوا يشترطون فيها شيئًا معلومًا من الخارج لربِّ الأَرض وهو مفسد للعقد، كما لو دفع الغنمَ ونحوَهَا إِلى مَنْ يرعاها ويَخْدُمُهَا بنصف الزوائد التي تحدث منها، فلذا نُهُوا عنها.