فهرس الكتاب
وإِنما كان الحدُ حقًا لله لأنه شُرِعَ لمصلحةٍ تعود إِلى الناس كافة، فحدُّ الزنا لحفظِ الأنساب، وحدُّ القذْفِ لحفظ الأعراضِ، وحدُّ السرقة لحفظِ الأموال.
والمقصودُ الأصليُ من شَرْعِ الحدِّ هو انزجارُ النفوسِ عن شهواتِهَا غير الشرعية، والردعُ عما يتضررُ به العباد، وصيانة دار الإسلام عن الفساد.
وأَما الطُّهْر عن الذنب فليس بحكمٍ أَصلي لإقامة الحدِّ، لأنه لا يحصل إِلا بالتوبة. قال الله تعالى في حق قُطَّاعِ الطريق: {ذَلِكَ لَهُم خِزْيٌ في الدُّنْيَا ولَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيْمٌ إِلاَّ الّذِيْنَ تَابُوا من قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عليهم فاعْلَمُوا أَنّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ} ، ولهذا يُقام الحدُّ على الكافر، ولا طُهْرَ له، وعلى كُرْهٍ ممن أُقيم عليه.
(فلا) (تعزيزَ ولا قصاصَ حدًا) أَما التعزيز فلعدم التقدير، وأَما القصاص فلأنه يجب حقًا للعبد، ولهذا أَجاز العفو عنه والاعتياض منه.
(والزنا) أَي الموجِب للحد، وهو بالقصر وقد يمد (وطءٌ في قُبُلٍ خالٍ عن ملكٍ وشبهتِهِ) كمعتدة البائنِ الثلاث. قال صاحب «الهداية» : ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( «ادرؤا الحدودَ بالشبهات» . رواه ابن عَدِي بهذا اللفظ، والمعروف:) «ادرؤا الحدودَ عن المسلمينَ ما استطعتم» . رواه أَحمد وغيره. ولا بد من تقييد الوطىء بكون الموطوءةِ مُشتهاة، ليخرج وطءُ البهيمةِ والتي لا تُشْتهى لموت أَو صغرٍ، وبكون الواطء مكلفًا طائعًا ليخرج المجنونُ والصبي والمُكْرَه، وبالقُبُلِ لأن الزنا يختص به عند أَبي حنيفة وأَلحقا به الدُّبر، فرتَّبا على الإيلاج فيه الحد، لما سيأتي.