فهرس الكتاب
ولنا ما تقدّم من حديث ماعز والغامدية أَن النبي صلى الله عليه وسلم رجمهما ولم يجلدهما، (وحديث أُنَيْس أَن النبي صلى الله عليه وسلم أَمره برجم المرأَة ولم يأْمره بجلدها) . ولو كان الجمع حدًّا لما تركه، ولأنه لا فائدة في الجلد مع الرَّجْم، لأن الحدّ شُرِعَ زاجرًا، وزجره بالجلد لا يتأَتّى مع رجمه، وزجر غيره يحصل برجمه، إِذ هو أَبلغ العقوبات الواردة. ففي الزائدة لا يتفرّع الفائدة، ولذا لو تكرّر من شخصٍ ما يوجب الحد يُكْتَفَى بحدٍ واحدٍ لعدم الفائدة في الباقي، لأن المقصود ـ وهو الزجر ـ يَحْصُل بالأوّل.
وأَجيب عن حديث عُبَادة بجوابين:
أَحدهما:
أَنه منسوخٌ، قال الحازمي في كتابه: روى حديث ماعز جماعةٌ كَسَهْل ابن سعد، وابن عباس ونَفَرٍ تأَخّر إِسلامهم. وحديث عُبَادة كان في أَوّل الأمر، وبين الزمانين مدة. وقال المُنْذِري في «مختصره» : ذهب إِلى الجمع بين الجلد والرجم عليٌّ (وأُبِيّ) وابن مسعود والحسن. وقال أَبو بكر وعمر والزُّهْرِيّ والنَخَعيّ وأَبو حنيفة، ومالك، والشافعيّ، والأوْزَاعِيّ، وسفيان: أَنَّ الثَّيِّب عليه الرجم دون الجلد. ورأَوا حديث عُبَادة منسوخًا، وتمسَّكوا بأَحاديث تدلَّ على النسخ منها حديث العَسِيف أَخرجه الشيخان عن أَبي هريرة وفيه: «فإِن اعترفت فارجمها» ، (فاعترفت فرجمها) . وهذا الحديث آخِرُ الأمرين، لأن رواية أَبي هُرَيْرَة وهو متأَخّر الإسلام، ولم يتعرّض للجلد فيه.
وثانيهما:
أَن معناه الثيب بالثيب جلد مئةٍ إِن كانا غير مُحْصَنين، والرجم إِن كانا مُحْصَنين. والواو فيها نظيرتها في قوله تعالى: {أُوْلي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ}