فهرس الكتاب
ومحل النزاع في عدم قبول الشهادة عند عدم الرائحة، وليس في أَثر ابن مسعود شهادةٌ مُنِعَ من العمل بها لعدم الرائحة وقت أَدائها، بل ولا إِقرارٌ، وإِنما فيه أَنه حدّه بظهور الرائحة بالتَرْتَرَة المَزْمَزة، وإِنما فَعَله لأن بالتحريك تظهر الرائحة من المعدة التي كانت خفيت، وكان ذلك مذهبه، ويدلّ عليه ما في الصحيحين عنه: أَنه قرأَ سورة يوسف، فقال رجلٌ: ما هكذا أُنْزِلَت، فقال عبد الله: والله لقد قرأْتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أَحسنت فبينا هو يكلّمه إِذ وجد منه رائحة الخمر، فقال أَتشرب (الخمر) وتكذب بالكتاب؟ فضربه الحدّ. وروى الدَّارَقُطْنِيّ بسندٍ صحيحٍ عن السائب بن يزيد، عن عمر بن الخطاب، أَنه ضرب رجلًا وجد منه ريح الخمر.
والحاصل أَن حده عند وجود الريح مع عدم البيّنة أَو الإقرار لا يستلزم اشتراط الرائحة مع أَحدهما. ثم هو مذهب بعض العلماء منهم مالك، وهو قولٌ للشافعي (وروايةٌ عن أَحمد) ، والأصحّ عن الشافعي وأَكثر أَهل العلم نفيه. هذا ملخص كلام بعض أَهل التحقيق، والله ولي التوفيق.
(ولِغَيْرِهِ) أَي الشُّرب (بِمُضِيّ شَهْرٍ) عند أَبي يوسف ومحمد، وبالتفويض إِلى رأي القاضي عند أَبي حنيفة. وقيل: يقدّر بنصف الشهر، والأول أَصحّ، وهو رواية عن أَبي حنيفة. (فَإِنْ شَهِدَ) على رجلٍ (بِزِنَا) بفلانةٍ أَو أَقرّ رجلٌ أَنه زنا بفلانَةٍ (وَهِيَ غَائِبَةٌ) أَو أَقرّ بالزنا بمجهولةٍ (حُدَّ) ذلك الرجل باتفاق الأئمة. (وَ) إن شهد على رجلٍ (بسرقة من غائبٍ لا) أي لا يقطع.
(ونُصِّف حَدُّ العبد) فيجلد في الزنا خمسين، وفي غيره أَربعين لقوله تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ} (أَي من الجلد) والآية وإِن كانت في الإماء إِلاّ أَنه يُعْرَف منها حُكْم العبد بطريقِ الدِّلالة .