الصفحة 2057 من 2344

(وَهُوَ) أَي التقادم (للشُّرْبِ) من خمر أَو غيرها (بِزَوَالِ الرِّيْح) عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، وبِمُضِي شهرٍ عند محمد كما في الحدود. لهما ما روى عبد الرَّزَّاق في «مصنفه» ، والطَّبَرَانِي في «معجمه» ، وإِسحاق بن رَاهُويه في «مسنده» ، عن أَبي ماجد الحنفي قال: جاء رجلٌ بابن أَخٍ له سكران إِلى عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله: تَرْتِرُوه ومَزْمِزُوه واستنكهوه، ففعلوا فرفعه إِلى السجن، ثم دعا به من الغد ودعا بسوطٍ ثم أَمر (به فدُقَّت) ثمرته بين حجرين حتى صارت دِرَّةً، ثم قال للجلاّد اجلد، (وأَرجع يدك) ، وأَعط كل عضوٍ حقّه. والتَرْتَرَة بمثناتين فوقيتين وراءين مهملتين: التحريك، وكذا المَزْمَزَة بزائين معجمتين.

والحاصل: أَنَّ بقاء ريح الخمر والنبيذ شرطٌ لإقامة الحدّ عند أَبي حنيفة وأَبي يوسف، إِلاَّ أَن ينقطع لبعد مسافة عن الإمام، لقول ابن مسعود. ونفى محمد اشتراط بقائه كمالك والشافعيّ، وهو الصحيح، لإطلاق ما رُوِّينا من قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ شرب الخمر فاجلدوه» ، وقوله: «إِذا سَكِرَ فاجلدوه» . ولأن وجود الرائحة لا يصلح دليلًا، إِذ قد يتكلف لزوالها مع بقاء الخمر، وقد يوجد رائحة الخمر من غير خمرٍ كما قيل:

*يَقُولُوْنَ لِي: إِنَّكَ شَرِبْتَ مُدَامَةً ** فَقُلْتُ لَهُمْ: لاَ بَلْ أَكَلْتُ سَفَرْجَلاَ

وقيل:

*سَفَرْجَلَةٌ تحْكِي ثَدْيَ النَّوَاهِدِ ** لَهَا عَرْفُ ذي فِسقٍ وصُفْرَةُ زَاهِدِ

فظهر أَن رائحة الخمر تلتبس بغيرها، فلا يُنَاط شيء من الأحكام بوجودها ولا بعدمها. ولو سلّمنا أَنها لا تلتبس على ذوي المعرفة، فلا موجِب لتقييد العمل بالبيّنة بوجودها، لأن المعقول تَقَيُّد قبولها بعدم التهمة، والتهمة لا تتحقّق في الشهادة بوقوعها بعد ذهاب الرائحة بل بتأْخير الأداء تأْخيرًا يعدّ تفريطًا، وذلك منتفٍ في تأْخير يومٍ ونحوه، وبه تذهب الرائحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت