فهرس الكتاب
ولنا ما ذَكَر محمد في «الأصل» عن عمر أَنه قال: أَيُّما شهودٍ شهدوا على حدَ لم يشهدوا عند حضرته، فإِنما شهدوا على ضِغْن، فلا شهادة لهم. ولأن الشاهد متى عاين الزنا ونحوه فهو مخيّرٌ بين حِسْبَتَيْن: حِسْبَة آداء الشهادة ليقام الحدّ فيحصل الانزجار، قال الله تعالى: {وَأَقِيْمُوا الشَّهَادَة} ، وحِسْبة السَّتر على المسلم بالامتناع عن الشهادة، فإِن الشرع ندبنا إِلى الستر بقوله تعالى: {إِنّ الَّذِيْنَ يُحِبُّوْنَ أَنْ تَشِيْعَ الفَاحِشَةُ} الآية، وقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ ستر على مسلمٍ ستره الله في الدنيا والآخرة» . فتأْخير هذه الشهادة مع إِمكان أدائها إِن كان للستر فيتهم بأَنه إِنما أَقدم عليها بعد ذلك لضغينة أَو عداوة فتردّ، وإِن كان لا للستر فهو فسق (لأن أَداء الشهادة واجبٌ، وتأخير الواجب فسقٌ) وشهادة الفاسق مردودة، ولهذا قلنا في حق العباد. وإِذا طلب المدَّعي من الشاهد أَداء الشهادة، فأَخّر بلا عذرٍ ثم أَدّى، لا تقبل شهادته مع إِمكانه (إِلاّ في) حدّ (قَذْفٍ) فإِنه لا يردّ، لأن تأْخيرها فيه لعذر شرعي، وهو عدم الدَّعوى، لأن الدعوى شرطٌ في حدّ القذف كسائر حقوق العباد.
(وَضَمِنَ) السارق بالشهادة المتقادمة (السَّرِقَةَ) أَي المسروق، لأن التقادم يمنع الشهادة في حقّ الحدّ للتهمة، ولا يمنعها في حقّ المال، لأن المال يثبت مع الشبهة، فصار كما لو شهد رجل وامرأَتان بالسرقة حيث يضمن السارق المال ولا يقطع. (وَإِنْ أَقرَّ به) أَي بحدَ متقادِم (حُدَّ) . وقال زُفَر: لا يُحَدّ اعتبارًا بالشهادة. وأُجِيْبَ: بأَن الشهادة قد تُهَيِّجُهُ عليها عداوةٌ حادثة، بخلاف الإقرار لانتفاء تُهمِة الضغينة فيه، لأنه لا يعادي نفسه، ولأن الإقرار لا يَبْطُل بالتهمة والفسق.