فهرس الكتاب
(وَ) يصالحهم (بِمَالٍ) يؤخذ (منهم) للمسلمين (عِنْدَ الحَاجَةِ) لأنه لمّا جازت المصالحة بغير مالٍ، فبالمال أولى. وقيّد بالحاجة، لأنه لو لم يكن لهم حاجة لا يجوز، لأنه ترك الجهاد صورةً ومعنىً، ولقوله تعالى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَونَ} . ثم المأخوذ من المال يُصْرَف مصارف الجزية، إذا لم ينزل المسلمون بساحتهم بل أرسلوا رسولًا، لأنه مأخوذٌ بقوة المسلمين كالجزية، وأمّا إذا نزلوا بدار الحرب وأحاطوا بهم ثم صالحوهم على مال، فهو غنيمة يخمِّسها الإمام ويَقْسِم الباقي بينهم لكونه مأخوذًا بالقهر.
ولو حاصر العدوّ المسلمين، وطلبوا الصلح بمالٍ يأخذونه من المسلمين، لا يفعل ذلك (الإمام) ، لما فيه من إعطاء الدَّنيّة وإلحاق المذلة بالمسلمين، إلاّ إذا خاف الهلاك، لأن رفع الهلاك بأي طريق أمكن واجبٌ.
وقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب أن يصرف الكفّار عن المسلمين بثلث ثمار المدينة كلَّ سنة. فقال سعد بن مُعَاذ، وسعد بن عَبَادة: يا رسول الله، إنْ كان هذا عن وحي فامض بما أُمِرْتَ بِهِ، وإن كان رأيًا رأيته، فقد كنّا في الجاهلية لم يكن لنا ولا لهم دين، وكانوا لا يُطْعَمُون من ثمار المدينة إلاّ شراءً أو قِرَىً، فإذا أعزّنا الله وبعث فينا رسوله نعطيهم الدَّنيَّة لا نعطيهم إلاّ السيف. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني رأيت العرب رَمَتْكُم عن قوسٍ واحدٍ فأحببت أن أصرفهم عنكم، فإن أبيتم ذلك فأنتم وذاك» .