وأمَّا المتقدّمون من السلف، فلم يَرُدُّوا شيئًا مِن ذلك، كما فَعَل الإِمامُ مالكٌ في «موطَّئه» كذلك، وذلك لعَدَمِ الفَرقِ عندهم بين المُرسَلِ والصحيحِ والحسَنِ، ويُطلقون المُرسَلَ على المنقطِع وعلى المُعْضَل. فإذا رأى مخالِفُنا أنَّا احتَجَجْنَا بأحاديثَ مرسلةٍ، أطلق عليها أنها ضعيفةٌ على اصطلاحهم ونَسَبنا إلى العَمَل بالحديثِ الضعيفِ المعارض للحديث الصحيح أو الحسَنِ بزعمه.
(السَّبَبُ الدَّاعي لِذِكْرِ الأَدِلَّةِ)
ثم لم يزل أصحابُنا المتقدّمون يَعْتَنُون في كتبهم بذكر الأدلَّة من السُّنَّة، والبحثِ عنها وتبيينِ الصحيحِ والحسن والضعيف ونحوِها، كالطَّحاوي، وأبي بكر الرازي، والقُدُوري وغيرِهم. وإنما قَصَّر في ذلك المتأخرون من أصحابنا لاعتمادهم على ما تقرَّرَ عند متقدِّميهم، فنُسِبُوا إلى هَجْر السُّنَّة والشريعة ولا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَنْسُبَ أصحابَنا إلى هذه الخَصْلة الشنيعة.
مع أنَّ المخالفين من الشافعية يَعِيبون على أصحابِنا ما هم واقعون فيه، فلقد أكثَرَ الإِمامُ أبو إِسحاق في «المهذَّب» ، وإمامُ الحَرَمين في «النهاية» وغيرُهما مِن ذكر الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، وقد بيَّنَ ذلك البيهقيُّ من متقدميهم، ثم النوويُّ والمُنْذِريُّ مِن متأخِّريهم في عِدة مواضع، بل صَرَّحَ إمامُ الحرمين عن حديثٍ ضعيفٍ بأنه صحيح، وغلَّطه الشيخُ تقيُّ الدين، وابنُ الصلاح، والنوويُّ وغيرُهم.
فهذا الذي أوجَبَ علينا ذِكرَ الأحاديث وتبيينَها، وتعريفَ المُخَرِّجينَ لها وتعيينَها، فإنَّ صاحب «الهداية» لمَّا ذكَرَ أحاديثَ مجملةً في تقوية الدراية بالرواية، من غير إسنادٍ إلى المخرِّجين، صار سببًا لطعنِ بعضِ أحاديثه للمتأخّرين، والله الموفق والمعين.