فهرس الكتاب
فإِنْ قيل: هذا لا يمنع جواز الصَّرْف إِلى غير المسلمين، قلنا: لَمَّا كان مأمورًا بالصرف اإلى فقرائنا، فلو صرف إِلى غيرهم لكان تاركًا الأَمرَ، فلا يجوز. وأَجَازَهُ زُفَرُ لِعُموم قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُم اللَّهُ عن الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلوكُم في الدِّينِ ولم يُخرجُوكم مِن دِيَارِكُم أَنْ تَبَرُّوهُم وتُقْسِطُوا إِلَيْهِم} ، وعموم آية المَصَارف، والتقييدُ زيادةٌ، وهو نَسْخٌ معنوي على ما عُرِف، ولهذا جاز صَرْفُ سائر الصدقات إِليهم إِلاَّ في روايةٍ عن أَبي يوسف بخلاف الحربي المستأمَن، حيث لا يجوز دَفْعُهَا إِليه لقوله سبحانه: {إِنَّما يَنْهَاكُم اللّهُ عنِ الذين قَاتَلُوكم في الدِّين} ... الآيةَ، قلنا: حيثُ خص منها الحربي بما تلونا، جاز تخصيصُ الذِّمي منها بما روينا، وإِنْ سلم أَنه من الآحاد، كيف وقد خرج منها أُصول المزكِّي وفروعه وزوجته.
(وجَازَ غَيْرُهَا) أَي غير الزكاة من سائر الصدقات (إِليه) أَي إِلى الذِّمي، سواء كان تطوعًا أَو واجبًا، كالكفارة وصدقة الفطر، والنَّذر.
وقال أَبو يوسف: لا يجوز صرْفُ الواجب إِلى الذِّمي، كما لا يجوز صرْفُ الزكاة إِليه.
ولهما ما روى ابنُ أَبي شيبةَ عن سعيد بن جُبَيْر مُرْسلًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تَصَدَّقُوا إِلاَّ عَلَى أَهل دينكم، فأَنزل اللَّهُ تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم} إِلى قوله {وما تُنفِقوا من خير يُوَفَّ إِليكم} فقال صلى الله عليه وسلم «تصدّقوا على أَهل الأَديان كُلِّها» ، وهو بإِطلاقه يتناول الزكاة، لكن خرجت منه بحديث معاذ. ولقائل أَن يقول: آية الصدقة هي آية الزكاة وقد خُصَّتْ، وآية المبرّة والحديثُ، محمولان على التطوع، وهذه صدقة واجبة فكانت أَنسبَ بالزكاة. ثم لا يُبْنَى منها نحو مسجد، ولا يُكَفن بها ميت، فإِنَّ التمليك شرط.