فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 11

وبعد هذا التوضيح الموجز نمضي إلى الحج لنثبت أنه يُحقق معاني التوحيد والعبودية بأشمل وأبلغ صورة،فالحج نموذج لجعل الحياة بكل ما فيها ومن فيها لله،فالحاج شوقه ونيته لله، قصده وعزمه لله، تحركه وسفره لله، ماله ونفقته لله، عمله وراحته لله، نطقه وسكوته لله، وقته وزمانه لله، فكره وتدبيره لله، جهده وعمله لله، لقد ترك بلده، وربما خلَّف أهله، وقطع عمله وأوقف شغله، وسخر ماله وجهده لأداء فريضة الحج، وهاهو يحصر نفسه في بقعة معينة من الأرض كل وقته وفكره وعمله فيها طاعة ونسك لله، لا يشغله عن تلك الغاية شاغل ولا يصرفه عنها صارف، في صورة شاملة تستغرق الوقت كله ليلًا ونهارًا، والجهد كله طوافًا وسعيًا ووقوفًا، والمشاعر كلها رغبة ورهبة وحبًا وتعلقًا، فكل الحجاج أوكد شغلهم طاعة الله، وأعظم آمالهم مغفرة الله، ولأجل ذلك يسخر كل شيء، ويؤخر كل شيء ويتحقق فعلًا بالعبودية الحقة والتوحيد الخالص، لا يُثنيه عن ذلك حب الزوجة والأبناء، ولا يصرفه عنه الانشغال بالأعمال والأموال، بل كل ذلك يًسخره ويستعين به ويُطوِّعه لطاعة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت