وللجهاد شروط لصحته، وأخرى لوجوبه، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو مختَلف فيه، ومن آكد تلك الشروط:
تحقُّق القدرة بما يناسب الزمان والمكان، وتوقُّع النصر والظفر، وحسن ترتيب الأولويات، ووضوح الرايات، وسلامة الولاءات، وتحقُّق المصلحة عند الصراع مع أعداء الأمة والدين، والنكاية في الكافرين.
ولا يتحقق هذا إلا باجتماع أهل العلم بالشرع والدراية بالحرب من أهل الحَلِّ والعَقد، فإن تخلف ذلك كان القتال تغريرًا بالأنفس فيما لا طائل تحته، ولا غَنَاءَ فيه، وصار الانكفافُ عنه مطلوبًا.
ويتعين الانتباه إلى مزالق استعجال المواجهة بلا عدة كافية ولا مكافِئة، والانطلاق من ردود الأفعال، والتفريط في عدة الإيمان واليقين، وضعف التوكل والاحتساب.
قال الله تعالى: { ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ } [آل عمران: 173، 174] .
وجوب استيفاء شروط المشروعية في الأعمال الجهادية
بالنظر إلى الواقع المعاصر ومآلات الأعمال فإن كثيرًا من الأعمال القتالية المعاصرة داخل بلاد المسلمين لم تستوفِ شرائطَ المشروعية، فجاءت بنقيض ما شُرع الجهاد لتحقيقه، فأغاظت قلوب المؤمنين، وشفت قلوب الكافرين، وإنما المراجعة والمنازعة في حساب المصالح والمفاسد، والموازنة بين المنافع والمضارِّ، وما لم تترجح كفة المصالح والمنافع لم يُشرَع قتال، ويتأكد هذا الحكم حالَ عدمِ النكاية، وغلبة الظن بالهلكة.
فالأعمال الجهادية ليست مجرَّد أعمالٍ انتحارية مطلقة، وإنما يجب أن تُحقِّقَ مصلحةً، وتفضي إلى مقصودها، وألا تُقابَل بمفسدة راجحة، ولا مانع من الإفادة من مراحل تشريع الجهاد، وما وقع من الهدنة بعد القتال.
ولا يخفى أن هذا الباب مزلَّةُ أقدام، ومدحضة أفهام، وكثيرًا ما يقع فيه الاشتباه، وقد تقارِن الأهواءُ الآراءَ، وتختلط النزعات الشخصية بالاجتهادات الفقهية، والمعصوم من عصمه الله، وإنما النصر من الله وحده.
قال الله تعالى: { وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10] .
الفصل الثالث عشر
السياسة الشرعية
الدولة الإسلامية ضرورة دينية عقلية اجتماعية
جاء النبي ﷺ بدين يقيم دولة ويحكمها بأسس واضحة، وهذه بدهية عرفها المسلمون ومارسوها عبر تاريخ دولتهم لأكثر من اثني عشر قرنًا من الزمان!
والدولة الإسلامية لا توصف بأنها دينية بمعنى: «ثيوقراطية» ، كما لا توصف بأنها مدنية بمعنى: «عَلْمانية» ، وإنما هي دولة إسلامية، تقوم على مرجعية الوحي نصًّا ومقصدًا، وتتأسس على قيم عليا؛ كالحق والعدل والإحسان، وقيم حضارية اجتماعية؛ كالمسئولية والحرية والمساواة، وقيم أخلاقية سلوكية؛ كالبرِّ والتعاون والتكافل.
ومن ذلك كله تحرر النظام الإسلامي بهيئته المشتملة على الأحكام الشرعية العامة والتفصيلية، والقواعد الفقهية والأصولية الكلية والجزئية، وما ارتبط بها من تقنينات وإجراءات، وعليها قامت تنظيمات ومؤسسات.
وبناءً على ما سبق: فإن الدولة الإسلامية ضرورة دينية شرعية وعقلية واجتماعية على حدٍّ سواءٍ!
فلا قيام للدين بلا دولة تحميه، وأمة تحوطُه من جوانبه وتقوِّيه، ولا تقوم دولة إلا بإمامة وإمارة تحكم بالحق، وتستحق الطاعة من الخلق.
قال الله تعالى: { يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ} [ص: 26] .
حكم الإمامة، وخصائص النظام السياسي