والفتن العامة التي تضطرب فيها الأمور، وتغلي منها الصدور، وتلتبس على الحليم معها الدروبُ، ولا يُتبين فيها وجهُ الصواب- لا يُشْرَع فيها خوضٌ بغير علمٍ ولا فهمٍ ولا بصيرة.
فحقُّها: طلبُ السلامة منها باعتزالها حتى تنجلي، والسلامَةُ غنيمةٌ لا يعدلها شيء.
وأمَّا ما لاح فيه وجه الحق وظهر، فحقُّه: الاستمساك بالحق، والثبات عليه، ومن صبر ظَفِرَ، والصلاةُ من أعظم ما يُعين على الثبات.
قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [البقرة: 153] .
القواعد العلمية في مواجهة الأزمات
وعند نزول المُدْلَهِمَّات، وتجددِ الأزمات تتأكد واجباتٌ ومستحبات، على رأسها: الاعتصام بالله، وبمحكمات الوحي قرآنًا وسُنَّة، والحرص على الجمع بين الاجتماع والاتِّباع، وتصحيح النية، وتجديد التوبة، والاجتهاد في الدعاء، واللجأ إلى الله في رفع البلاء، وتصحيح التوكل على الله، مع الحِلْم والأناة.
ومن القواعد العلمية المنهجية: اجتناب كثير من الظن، والتثبت من الأقوال والأفعال، وتركُ المجازفة بإطلاق الأحكام، أو المبادرة إلى ردود الأفعال بلا رويَّةٍ، واعتماد الفزع إلى أهل العلم والحِلم والرأي والحكمة، والتأنِّي في تنزيل النصوص الشرعية على الوقائع الجارية، والجمع بين فقه النصوص، وفقه الواقع، وتوقُّعِ المآلات، مع الحذر من سوء التأويل والاعتمادِ على الرؤى والمنامات في قضايا الأمة والشأن العام، ومثلُ هذه الشئون إنما يُعْتمد فيها على الحقائق والبراهين.
قال الله تعالى: {قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 111] .
مسئولية العلماء في الفتن
ويتعلَّق بالعلماء والدعاة والفضلاء واجبات ومسئوليات في أوقات الأزمات، ومن ذلك: السعي بين المتخاصمين بالإصلاح، وتقديم المفاسد درءًا ودفعًا على المصالح تكثيرًا وجمعًا، وفعلُ المفضول لمصلحة التأليف وجمع الكلمة، وتقديم المصلحة العامة للأمة على مصلحة خاصة لطائفة، وتقوية قلوب الناس، وتحرير الفتاوى الراشدة التي لا تتسبب عنها فتنةٌ، واعتماد المشاورة في النوازل العامة سبيلًا للتصدي لها، والتماس المعاذير لأهل الفضل، وإشاعة فقه العفو، ومناظرة مَن يرجى انتفاعه بالعلم والحجة، ومراعاة حال أهل الزمان والمكان عند الإفتاء والتكليف والإلزام؛ إذ لا واجب مع عجزٍ، ولا محرَّم مع اضطرارٍ، وتعظيم شأن العدل، وتحريم الظلم، والانقياد للشرع، وإشاعة الفقه الراشد لإنكار المنكرات، والتوسط بين التشدد والتساهل، والترغيب والترهيب، والسعي في ضبط الإعلام، وحسن توجيه الرأي العام، والاجتماع على الثوابت والمعاقد الشرعية، والمنافحة عن الأصول والأحكام القطعيَّة، لا سيَّما حرمة الأنفس والدماء، والأعراض والأموال.
قال الله تعالى: {مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ} [المائدة: 32] .
مسئولية العامة في الأزمات
وعلى كل مسلم ومسلمة حالَ الفتن والاضطرابات كَفُّ الألسن عن إطلاق الشائعات، ونقلِ الأخبار الكاذبة، وعدم الخوض فيما ليس للإنسان به علمٌ، وتجنب الكلام فيما لا تُدْرَى مصلحتُه، ولا تُرْجَى حسنُ عاقبته، والتجافي عن الإرجاف والجدال العقيم، وترك السماع للمتصدرين للشأن العام بغير أهليةٍ، والحذر من تثوير العامة على العلماء وخواص الأمة!
ومهما ادلهمَّتِ الخطوب، وتتابعتِ الكروب فإنها ستنجلي، فلا بد من تفاؤلٍ بالخير، وتذكير بفضيلة اليقين بحسن عاقبة المتقين، وفضل الغرباء المصلحين، ولزوم ذكر الله على كل حالٍ، وفي كل حينٍ.
قال الله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ} [الأنفال: 45] .
الفصل الثامن عشر
المرأة والأسرة
المرأة.. بين تكريم الإسلام، وإهانة الجاهلية
جاء الإسلام والمرأة في اليهودية ممسوخة الهُويَّة، فاقدة الأهلية، منزوعة الحرية، معدومة الحق في الاختيار، أقرب إلى المتاع الذي يُورث ويُباع، يُنْظر إليها على أنها لعنة، وسببٌ لنزول اللعنات!
ولم تكنِ المرأة في النصرانية أحسنَ حالًا منها في اليهودية، فقد كانت لديهم أصلَ الخطيئة، ورأسَ الشر؛ لأنها سبب الفساد في الأرض.