وقد يتفاخرون فيما بينهم بأوطانهم ؛ وميزات كل منها ؛ لكن ذلك لم يتجاوز إلى أن يصبح الوطن مصدر الولاء الأول لدى المنتمين إليه ، سابقًا الولاء للقبيلة في الجاهلية ، والإسلام بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذا المفهوم المذهبي للوطنية جديد على الأمة في هذا العصر مستمد من المسار الحضاري للغرب في عصره الحديث ، والوطنية بمفهومها الغربي الحديث تعني أن الولاء للوطن مقدم على أي ولاء سواه ، والولاء للوطن يعني الولاء لبقعته الجغرافية ولجماعته من الناس ولدولته ولشاراته (العَلَم - النشيد الوطني ... إلخ) وتمثلات هذا الولاء هي المواطنة من قبل المواطن لوطنه .
وعلى كل فإن الوطنية - هنا ليست مجرد ذلك النزوع الشعوري ولكنها نزعة فكرية (مذهبية) لها مبادئها العامة وطقوسها السلوكية التي يزرعها رواد هذه النزعة في نفوس الناس وينشئون عليها ناشئتهم ، ويحاكمون إليها مواقف أتباعهم، وينظرون إلى الآخرين من خلالها ، الوطنية بهذه الصفة ليست حديثة ، فقد وجدت في المجتمعات القديمة ومن أشهر صورها الوطنية اليونانية ، ثم وطنية الإمبراطورية الرومانية التي كانت تنظر للشعوب الأخرى المنضوية تحت ظل الدولة الرومانية بصفتهم عبيدًا تابعين للوطن الأم ، لا يقبل من هؤلاء الأتباع الانصهار في بوتقته والاندماج به كما حصل مثلًا الاندماج في الحضارة الإسلامية ، ولقد تجلت النزعة الوطنية متماهية مع القومية في أوربا الحديثة نتيجة التفلت من الإمبراطوية الجامعة التي كان رباطها الجامع بين الأوربيين هو المسيحية التي دخلت إليها في القرن الثاني الميلادي .
هذا التفلت بدأ بالملوك ثم برجال الدين فيما عرف بالحركات الإصلاحية حيث تقسمت القارة الأوربية كما يقول الندوي (إلى إمارات شعبية مختلفة وأصبحت منازعاتها ومنافستها خطرًا خالدًا على أمن العالم) (1) .