ولعل من القضايا التي تستحق النظر، وإعادة الطرح والتفاكر والتي لا يزال العقل المسلم يخضع فيها لعملية رد الفعل والضغط الخارجي: أن كثيرًا من الحلول والطروحات الفكرية، التي نشأت في تاريخ الفكر الإسلامي، من خلال موقف الدفاع عن الإسلام، وما تعرض له من تحديات، لم تستطع أن تحتفظ بخاصية التوازن، وضبط النسب إن صح التعبير، وإنما تجاوزت ذلك - وهذا من طبيعة رد الفعل وإصابات الفكر الدفاعي - إلى جعل العدو في كثير من الأحيان متحكمًا بالنشاط الفكري للعقل المسلم ومحددًا لأبعاده، بما يلقي إليه من مشكلات ، قد تحوّله عن رسالته الأصلية ومساره السليم، أو أولوياته المطلوبة؛ بل قد تضغط عليه فتخرجه عن منطقة ومنطلقة. ففي سبيل تأكيد دور العقل في الإسلام كاد أن يلغي الوحي، أو يحاصره بشتى السبل، ويعطل منهج النقل كليًّا، وإن لم يجاهر بذلك؛ وفي سبيل تأكيد حرية الإرادة والمسؤولية، أو شكنا على إلغاء القدر؛ وحتى نرد على موجة تأليه العقل انتهينا إلى فكر الجبر، وإسقاط العقل نهائيًّا، والانتهاء إلى لون من الانتحار الروحي، والخروج من الحياة وتكاليفها إلى مذهب التصوف السلبي، والقول بالإرجاء؛ وفي سبيل ردّ شبه اليهود في التجسيم، والنصارى في التثليث، تعسفنا في تفسير الآيات حتى انتهت فرقة إلى القول: بخلق القرآن، وهذا قد يصدق إلى حد بعيد على علم الكلام الذي امتد وتجاوز حتى كاد يغدر أصوله ومنطلقاته الإسلامية. وهكذا نرى أنه لا بد ونحن بسبيل تنزيل الإسلام على الواقع، ومواجهة التحديات، أن يبقى العقل المسلم متوازنًا ومراعيًا لعملية ضبط النسب واعتماد أساليب المواجهة المشروعة المتسقة مع العقيدة كما وردت في الكتاب والسنة كضمانات لعدم الخروج باسم التعامل مع الواقع.