صحيح أن القرآن إنما جاء بإرساء القيم الأساسية، والمبادئ العامة للحياة الإسلامية، وترك أمر الخطط والبرامج، والصياغة والتنزيل، للفكر البشري (الاجتهاد ) لكن لا بد أيضًا لهذا الاجتهاد أن يبقى محكومًا بأبعاد العقيدة كما وردت في الكتاب والسنة، والقيم الضابطة لمسيرة العقل، والحياة الإسلامية، لا يخرج عنها، فالقيم والمبادئ وحي من الله، ومن هنا فهي ثوابت وأسس، أما البرامج فهي اجتهادات بشرية ومتغيرات في ضوء الواقع وحاجاته، لكن الحركة الاجتهادية يجب أن تبقى ضمن إطار القيم الثابتة.
وقد تكون المشكلة التي يعاني منها العقل المسلم اليوم في اختلاط بعض الأمور أثناء التعامل مع الإسلام، وبسطه على واقع الناس؛ فآيات القرآن، ونصوص السنة الصحيحة لا شك أن لها ثباتها وقدسيتها لأنها وحي معصوم - كما أسلفنا- وبالتالي فدور العقل يتحدد في إدراك أبعادها، والاجتهاد في تحديد مدلولاتها، ومقاصدها، أما إخضاعها لوسائل الفحص والاختبار التي تخضع لها المعارف العقلية القابلة للخطأ والصواب، فقضية خطيرة؛ ومن جانب آخر فإننا نرى المشكلة تتمثل في أن العقل المسلم في عصوره المتخلفة لم يقتصر في إعطاء صفة القدسية لنصوص الكتاب والسنة، وهما مصدرا القيم وإنما تجاوز ذلك إلى إعطاء صفة القدسية للاجتهاد البشري غير المعصوم (الخطط والبرامج التي وضعت لنوازل المشكلات في عصور تاريخية في ضوء الكتاب والسنة ) فوقع في خطأ التقليد والتجمد، وعدم القدرة على الامتداد الإسلامي، وتعدية الرؤية والاعتبار.