وفي ظننا أن التدرج في التطبيق ليس أمرًا خارجًا عن الدين، كما يتوهم بعضهم، ذلك أن أمر الشارع منوط بالاستطاعة، والتكليف منوط بالطاقة قال تعالى: (( لا يُكلّف الله نفسًا إلاّ وُسعها ) ) [البقرة:286] (( فاتّقُوا الله ماستطَعتم ) ) [التغابن:16] ؛ فإلى جانب الفوائد التربوية لعملية التدرج المطلوب استحضارها، لا بد أن ندرك أن التدرج هو من الدين، فالعدول عن العزيمة إلى الرخصة في حالات قد تؤدي العزيمة فيها إلى تفويت مقصد الدين، وإيقاع المكلّف في الحرج، هو الحكم الشرعي، الذي يلائم المكلّف في حالته التي هو عليها،"فالمشقة تجلب التيسير""وإذا ضاق الأمر اتسع".
لذلك فليس من فقه التدين وليس من الدين أيضًا مطالبة المكلّف بالحد الأقصى للتكليف، وهو لا يطيق إلا الحد الأدنى. والمدى المطروح للتدين يتلاءم بحسب الواقع، والحال التي عليها المكلف ابتداءً من قوله تعالى: (( إلاّ مَنْ أكرِه وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان ) ) [النحل:106] إلى قوله تعالى: (( وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّينُ لله ) ) [البقرة:193] ، تخليصًا للناس من العبودية وإزالة العوائق، وتحقيق حرية الاعتقاد، والارتقاء بالإنسان إلى مستلزمات الحد الأعلى للتكليف.