وهذا الأمر يطرح قضية أخرى لا بد أن نعرض لها: وهي أن الإسلام دين واقعي، إذ لا يمكن عقلًا وبداهة إلا أن يكون واقعيًّا، ذلك أن الله الذي خلق الإنسان أعلم بظروفه وطاقاته التكليفية، وقدرته على الاحتمال في كل ظرف وحال، لذلك فمن العبث الاعتقاد بأن الله يكلفه بما لا يطيق، أو يشرع ما لم يكن قابلًا للتطبيق (( ألا يعلمُ من خلقَ وهُو اللّطيف الخبير ) ) [الملك:14] ، وأن الحد الأعلى للتكليف لا يصنف في إطار المثالية واستحالة التطبيق وإنما هو بمقدور المكلّف في أحسن حالات الترقي التي يمكن الانتهاء إليها؛ واستقراء التجربة التاريخية الإسلامية يؤكد أن الإسلام، دين واقعي جسد في حياة بشر، وأثرى حضارة، وأقام أمة بمؤسساتها ووظائفها، وأن من واقعيته مراعاة حالة المكلّف وظرفه وطاقته. وما يلاحظ من نزعات مثالية تبدو مستحيلة التطبيق عند بعض المفكرين المسلمين يمكن تصنيفه ضمن إطار الأغراض التربوية، وذلك لحماية الناس من السقوط في فساط النظام الحاكم أو فساد الزمان، أما فترة النبوة مرحلة التطبيق الأمثل، ففيها الرخصة والعزيمة، والخطأ والصواب، والتدرج والتأجيل والاستثناء الخ؛ والأمة لا يزال فيها السابق في الخيرات والمقتصد والظالم لنفسه.