وإذا كان فهم الدين هو الأساس في التدين، فإن تنزيله في واقع الحياة هو الثمرة المبتغاة من أصل الدين، وهو لذلك يمثل في التدين المرحلة التي تكمل مرحلة الفهم، وتبلغ بالدين إلى الغاية من نزوله. ولعلّ المنزلة التي يتبوّؤها التنزيل في الدين الإسلامي لا تدانيها في الأهمية منزلة في أي دين، أو مذهب فلسفي آخر، سواء من حيث القيمة المعيارية، أو من حيث الشمول في مجالات التنزيل. ولذلك فإن الخلل الذي يطرأ في تنزيل الدين على واقع الحياة، يؤدي من طرف قريب في عصيان الأحكام، إلى المروق من الإسلام، كما رآه بعض المسلمين مثل المعتزلة والخوارج، وهو يؤدي عند سائر المسلمين إلى وضع إيماني شديد الضعف يكاد لا يغني في ميزان الدين شيئًا.
ويحتاج تنزيل الدين في واقع الحياة إلى فقه منهجي، يوازي ذلك الفقه الذي يكون به الفهم، ولكنه يختلف عنه في الطبيعة، لاختلاف الخصوصيات بين الفهم، وبين التنزيل، من حيث إن الفهم تكون فيه العلاقة الأساسية بين العقل وبين المصدر النصي للدين، في حين تكون العلاقة في التنزيل جدلية، بين العقل والمصدر النصي، وبين واقع الحياة، كعنصر أساسي في هذه العلاقة.
ويتميز في تنزيل الدين في واقع الحياة، كمرحلة موازية لمرحلة الفهم، مرحلتان فرعيتان في نطاقها: مرحلة الصياغة، ومرحلة الإنجاز. أمّا الصياغة فهي تهيئة خطة شرعية، تنبني على ما حصل من فهم لحقيقة الدين، في هيأتها المجردة، تهيئة تكون بها صالحة لمعالجة الأوضاع من حياة الإنسان، ذات الخصوصيات المكانية والزمانية، لمراعاة تلك الخصوصيات في تهيئة الخطّة. وأما الإنجاز فهو العمل على إجراء تلك الخطة الشرعية إجراءً عمليًّا على الواقع، بتكييف ذلك الواقع في مختلف مناحيه، بحسب ما تقتضيه ما انتظمته من الأحكام.