ولما كانت الأحكام الدينية تتنوع إلى أحكام عقدية، تتعلق بالإيمان القلبي، وأحكام شرعية، تتعلق بالسلوك العملي، مع ما ينشأ عن ذلك من اختلاف في كيفية التحمل الإنجازي بينهما، فإن كلا منهما يكون له نمط في الصياغة، يختلف عن الآخر، ولذلك فإننا في هذا الباب سنفرّع البحث إلى ثلاثة فصول: فصل في فقه الصياغة في العقيدة، وثان في فقه الصياغة في الشريعة، وثالث في فقه الإنجاز.
فقه الصّياغة في العقيدة
التدين بالإسلام يكون بكيفيتين متلازمتين: أولاهما، الإيمان بحقّانية المنظومة النظرية، التي جاء بها البيان الديني، في شرحه للوجود القائم على إقرار توحيد الألوهية، وفي إخباره بالرسل الهداة، وإخباره بالحياة الأخرى، التي يتم فيها حساب الإنسان وجزاؤه. والإيمان كذلك بحقانية جملة التعاليم، التي بشر بها الوحي المحمدي، كما جاءت في القرآن الكريم وفي السنة الثابتة. والثانية التطبيق العملي لما جاء في هدي الدين، من الأوامر والنواهي، المتعلقة بالسلوك في معناه الشامل. وقد وقع الاصطلاح على تسمية ما يُتديّن به بالكيفية الأولى بالعقيدة، وتسمية ما يُتديّن به بالكيفية الثانية بالشريعة.
والتدين بالعقيدة هو الأصل، الذي ينبني عليه التدين بالشريعة؛ إذ الإيمان بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم الذي حمّله الرسالة المشتملة على الشريعة هو المبرر لأصل التدين بالشريعة أساسًا؛ ولذلك فإن العلاقة بينهما علاقة تلازم، يفضي انفصالها إلى انخرام في التدين، كما أشرنا إليه آنفًا.