الصفحة 125 من 233

وإذا كان التدين بالشريعة يتمثل في إجراء السلوك الفردي والاجتماعي، على حسب مقتضيات الوحي، في الأمر والنهي، كما هو ظاهر، فإن التدين بالعقيدة يكون بالاستيقان الثابت بحقانية التعاليم العقدية، استيقانًا لا يراوده الشك بأي حال، ثم اتخاذ تلك التعاليم المستيقنة مرجعًا في التصرفات السلوكية كلها، سواء من حيث صياغتها أحكامًا شرعية، أو من حيث تنزيلها في واقع الحياة. فالتدين بالعقيدة يشمل إذن التحمل التصديقي لها بالإيمان، والصدور عنها في كل تفكير وسلوك، وأيّما قصور في هذين الوجهين، يعتبر إخلالًا بالتدين في جانب العقيدة.

وصياغة الشريعة، بالمعنى الذي حدّدناه في هذا البحث، يبرره أن الأحكام الشرعية، فيها مجال واسع للاجتهاد العقلي، بالترجيح بين الاحتمالات، فيما هو ظني من نصوص الأحكام، وباستحداث أحكام شرعية، فيما لم يرد فيه حكم ، من مستحدثات النوازل، في حياة الإنسان، فبهذا الاجتهاد، يمكن صياغة الحلول الشرعية للأوضاع الواقعية، بحسب ظروفها الزمنية، ترجيحًا واستثناءً واستحداثًا، بحيث تحصل من الأحكام المجردة خطة واقعية للتدين. أما العقيدة فهي حقائق مكتملة، لأنها تبين ما هو واقع من حقيقة الوجود، فلا مجال فيها لاستحداث أحكام بالعقل، كما أنها وردت في النصوص على سبيل القطع، فلا مجال فيها للترجيح. إنها منظومة مكتملة ثابتة مهما تغيّرت أوضاع الحياة الواقعية، فكيف يمكن أن تكون فيها صياغة تهدف إلى ترقية التدين في مجالها؟ وما هي طبيعة تلك الصياغة؟

إن الصياغة في مجال العقيدة تتناسب في طبيعتها مع طبيعة العقيدة نفسها. فلما كانت العقيدة الإسلامية مكتملة ثابتة في ذاتها، والتدين بها يكون باستيقانها في التصور الذهني، والصدور عنها في التفكير والسلوك، فإن الاجتهاد في صياغتها يكون هادفًا إلى تحقيق هذه الغاية، وذلك يتم بوجهين اثنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت