الصفحة 126 من 233

الأول: تقديم العقيدة للناس بطريقة من شأنها أن تقنع من لا يكون مقتنعًا بها، وأن تعمّ الفهم والاقتناع، بالنسبة لمن يكون موقفه منها موقف القبول الجملي، الذي ينقصه الوعي بأبعادها الحقيقية لسبب أو لآخر من الأسباب. فطريقة التقديم هي ضرب من الصياغة، التي نقصدها في بحثنا، لأنها تمثل خطة تشتق من واقع العقول المخاطبة، في كيفيات اقتناعها المتغيرة بتغير الثقافات، وتهدف إلى أن تصيّر أحكام العقيدة المجردة واقعًا تصديقيًّا في أذهان المخاطبين.

والثاني: تقديم العقيدة للناس بحيث تكون - بعد الاقتناع بحقانيتها - مرجعًا أصليّا يصدرون عنه في الفكر والسلوك، وموجهًا للحياة في مظاهرها كلها، وذلك بترتيب قضاياها بحسب ما يتطلبه مجرى الأحداث في حياة الأمة، وإبراز الأبعاد العملية لحقائقها مهما كانت نظرية مجردة، وربطها بالمشاكل الواقعية الناجمة في الحياة، بما يظهر أنها الفرقان المصحح لكل انحراف، في سير الحياة عن وجهة الدين. وتقديم العقيدة على هذا النحو، يحتاج إلى صياغة تُعدّ المنظومة العقدية، بما يناسب الظروف الواقعية المتغيرة، ليقع التدين بها على الوجه المطلوب.

وللفكر الإسلامي تجربة ثرية في صياغة العقيدة مثل تجربته في صياغة الشريعة، وهي تجربة تراوحت بين ازدهار ناجع، وبين ضعف مخلّ. وسنحاول في هذا الفصل أن نستعرض هذه التجربة مستفيدين من ازدهارها، ومعتبرين بضعفها، في سبيل تبيّن أسس فقهية في صياغة العقيدة، يمكن أن تؤسس عليها في الواقع الراهن للمسلمين صياغة للعقيدة، تساعد على ترقية تدينهم، في الاستيقان بحقيقتها، والوعي بأبعادها، وفي الصدور عنها مرجعًا أساسيًّا في كل فكر وسلوك. كما يمكن أن تؤسس عليها صياغة للعقيدة، تساعد في إقناع الجاهلين بها، والمتشككين فيها.

1-تجربة الفكر الإسلامي في صياغة العقيدة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت