الصفحة 127 من 233

أولى الفكر الإسلامي عناية كبيرة لصياغة العقيدة، بقصد الإقناع بها في مضمار الدعوة إلى التدين، والمحافظة عليها قوامًا صحيحًا صافيًا يضمن استمرارية الدين، دون أن يصيبه انحراف كما أصاب أديانًا قبله، والمحافظة عليها أيضًا إطارًا مرجعيًّا، يتم فيه كل اجتهاد ديني في توجيه الحياة. وقد خصص لهذه الصياغة علم بأكمله هو علم العقيدة، الذي سمي أيضًا بعلم الكلام، كما سمي بعلم التوحيد.

إن العقيدة الإسلامية لمّا جاءت أحكامها في نصوص الوحي قطعية في أكثرها، فإن البحث الاجتهادي فيها، لم يغلب عليه طابع الاجتهاد الفهمي، لضيق مجال العمل العقلي، بسبب قطعية النصوص، وإنما غلب عليه طابع الاجتهاد الصياغي، عملًا على حفظ العقيدة، صافية في الأذهان، مؤثرة في توجيه السلوك، ومن ثمّة فقد كان علم العقيدة يغلب عليه طابع الصياغة، على عكس علم الفقه الذي غلب عليه طابع التقرير للأحكام الشرعية، كحصيلة للفهم المتأتي من المجال الواسع لاستعمال العقل في الفهم المجرد، نتيجة لظنّية كثير من النصوص المتعلقة بالشريعة من جهة، ولانفساح المجال لما لم تنله النصوص بالبيان من جهة أخرى.

وقد كان علم القعيدة من حيث هو صياغة لها، عرضة لتقويم صارم فيما سلكه من طرق، وما توصل إليه من نتائج، في تحقيق غايته في التدين بالعقيدة، وهو تقويم واكب هذا العلم منذ نشأته إلى هذا العهد، دون انقطاع عبر مراحله المختلفة، وتراوحت المواقف فيه بين اتهام بالعقم والإفلاس، في التأدية إلى الغرض الذي من أجله وضع، وبين التزكية والثناء، على ما قام به من دور، في حفظ العقيدة واستمرارية سلامتها وفعاليتها. (1)

والمتأمل في تجربة الفكر العقدي، بصفة موضوعية، بحيث يقع تنزيلها في ظروفها الزمنية، ومحاكمتها على أساس تنوّع المراحل التي انقلبت فيها، وما حققته في كل مرحلة منها، يجد أن هذه التجربة تتمايز فيها مرحلتان أساسيتان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت