الصفحة 140 من 233

ولكن مجريات الواقع الإسلامي، خلال عهد التراجع الحضاري، أفضت إلى تراخ في الصلة بين أصول العقيدة، وبين مناشط الحياة المختلفة، فلم تعد مظاهر السلوك المختلفة تندفع في تلقائية ووضوح، من مرجعيتها العقدية، وغدت حقائق العقيدة تشبه أن تكون تصديقات ذهنية، غايتها في ذاتها، وضعف الشعور بغايتها السلوكية، وقد أدى هذا الوضع إلى ما يشبه الانفصال، بين الاجتهادات الفرعية، وبين مرجعيتها العقدية. وخذ إليك مثلًا في ذلك، حقيقة التوحيد، التي كانت في عهود الازدهار الإسلامي، تطبع حياة المسلمين كلها، تشريعًا وآدابًا وفنونًا وعمارةً، ثم أصبحت بعد ذلك منحسرة في أذهان المسلمين، إلى بُعْدٍ واحدٍ تجريدي، هو وحدانية الذات الإلهية، وتقلص أثرها في مناحي الحياة العملية.

وقد استفحل هذا الوضع، لما انفتح المسلمون على الحضارة الغربية، بمنجزاتها الباهرة، وجعلوا يقتبسون منها، ويقلدون فيها خبط عشواء، على غير هدي من مرجعية عقدية، تُرشِّد ذلك الاقتباس، وتجعله في إطار من الدين. وقد ظهر ذلك فيما اقتبس المسلمون من آداب وفنون وعلوم إنسانية وطُرُز عمرانية، حتى إنه ليمكن القول: إن الواقع الإسلامي في كثير من جوانبه اليوم يجري على غير هدي عقدي، ويصدر على غير قاعدة إيديولوجية إسلامية واضحة.

وأما ا لمشكلة الثانية فهي الغزو الإيديولوجي الغربي، الذي استهدف منذ زمن العقيدة الإسلامية أساسًا، ومظاهرها السلوكية في مختلف مظاهر الحياة، وقد كان هذا الغزو الإيديولوجي، شبيهًا بالغزو الإيديولوجي، الذي حدث في القرن الثاني، من قبل أهل المذاهب والأديان، إلا أنه صادف من المسلمين ضعفًا حضاريًّا وفكريًّا، واستعدى عليهم بمنجزات العلم، وقوة الحضارة، فإذا به غزو شامل للمنظومة الإسلامية كلها، تُسخًّر فيه الفلسفة والعلم والإعلام جميعًا، بل والتكنولوجيا المادية أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت