الصفحة 141 من 233

وقد أحدث هذا الغزو الإيديولوجي أثره البيّن، في حياة المسلمين، ليس على مستوى السلوك فحسب، ولكن على مستوى الاعتقاد أيضًا، وهو ما يبدو في المذهبية المادية، التي تسربت إلى الشباب الإسلامي، وفي العلمانية، التي أصبحت مذهبًا لكثير من النخب المثقفة في العالم الإسلامي، وهي التي تسيطر على الحظوظ التربية والاقتصادية والثقافية والسياسية للأمة، فانطبعت هذه المظاهر كلها بطابع الإيديولوجيا الغربية إن قليلًا أو كثيرًا.

وبين هاتين المشكلتين، تضافر وتآزر، بحيث يهيئ ضعف الرابطة، بين الحياة العملية للمسلمين، وبين مرجعيتهم العقدية، للتأثير الإيديولوجي الغربي، كما أن هذا التأثير الإيديولوجي يوسع الشقة، بين تلك الحياة ومرجعيتها العقدية، سواء على المستوى الفكري الثقافي، أو على المستوى السلوكي العام، فإذا بواقع المسلمين يجري على غير إيديولوجية إسلامية بينة، بل إن تلك الإيديولوجية في صياغتها الفلسفية، التي تستطيع بها أن تواجه التحدي، وتهدي الحياة تكاد تكون غائبة.

أما البنية الفكرية الثقافية السائدة اليوم بين الناس، فقد تغيرت كثيرًا بالنسبة لتلك التي كانت سائدة في عهود ماضية، حيث أحدثت الثورة العلمية الصناعية انقلابًا ثقافيًّا، يكاد يكون عالميًّا؛ ذلك أن العقلية الصورية، التي كانت سائدة قديمًا، حلت محلها منذ بداية عهد النهضة، عقلية علمية، تخضع في الفهم والاقتناع للبرهان، المبني على معطيات العلوم الثابتة، رياضية وطبيعية. كما اكتسبت العقلية أيضًا صفة العملية، فأصبحت تنفتح في الفهم والقبول للخطاب الذي ينطلق من معالجة المشاكل العملية اليومية، أكثر من انفتاحها للخطاب الفلسفي المجرد. لقد أصبحت هذه الخصائص سائدة في العالم الغربي، وهي في طريق السيادة في العالم الإسلامي، الذي كانت له خصائص في عهد ازدهاره الفكري، في القرون الأولى، بتكوين من القرآن الكريم، الذي يجعل النظر في الكون، مدخلًا للاقتناع العقلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت