الصفحة 142 من 233

وإنما أبرزنا هذه الخصائص، في بنية العقلية الحديثة، إشارة إلى أن المنهج الذي استخدمه الفكر الكلامي بعد القرن الخامس أصبح منهجًا لا يلائم عقلية اليوم؛ إذ هو منهج مبني على المنطق الصوري في أساسه، وهو منطق لا يهتم بالواقع، وإنما ترتبط الحقيقة فيه بتناسق المعطيات المجردة فيما بينها، وإن خالفت الواقع. ولا تزال آثار هذا المنهج باقية عند شق من المنتسبين إلى الفكر الإسلامي، إما بصفته الأصلية، أو بصفة جديدة، حافظ فيها على الطابع التجريدي العام، ويكاد يكون الخطاب الفكري الإسلامي اليوم محكومًا بهذه التجريدية في الخطاب.

[ ب ] الأسس الفقهية للفكر العقدي الحديث:

إن المشاكل الإيديولوجية للأمة الإسلامية، التي ألمحنا إليها آنفًا بصورة موجزة، تتطلب لمعالجتها فكرًا عقديًا ذا خصائص واقعية، تتناسب معها، استهداء في ذلك بالفكر الإسلامي، في طور نضجه وحيويته، حينما كان يجابه الواقع العقدي الثقافي بما يناسبه من الأساليب. ويمكن أن تكون الخصائص المطلوبة لمعالجة واقع اليوم متركزة في محورين أساسين، يستقطب كل منهما جملة من الفروع المتعلقة بالفكر العقدي، وهما: واقعية الموضوع، وواقعية المنهج.

أولًا - واقعية الموضوع:

نعني بها أن يكون الفكر العقدي الحديث يطرح القضايا والموضوعات، التي تمثل مشاكل حقيقية، تعيشها الأمة على المستوى الإيديولوجي، وأن يكون ترتيبها في الطرح، من حيث الأهمية، بحسب أهميتها الواقعية، من حيث حجمها في الإشكال وإلحاحها فيه.

إن البنية المأثورة في الفكر الكلامي تشتمل على مقدمات، وثلاثة محاور أساسية، أما المقدمات فهي مسائل فلسفية وطبيعية، تستخدم في الاستدلال على المسائل العقدية. وأما المحاور الثلاثة فهي الألوهية والنبوة والبعث، وتحت كل واحد منها فروع تتعلق به. وفي بعض مدونات علم الكلام تقسم هذه المواضيع إلى محورين: إلهيات وسمعيات، إضافة إلى المقدمات الفلسفية والطبيعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت