الصفحة 143 من 233

وقد ألمحنا سابقًا، إلى أن هذه البنية لعلم الكلام، تشكلت موضوعاتها بحسب الواقع القديم، الذي يعود إلى ما قبل القرن الخامس، وأن ترتيبها أفرزته بعد ذلك عقلية مدرسية، لا عقلية واقعية، وهي لذلك لا تتلاءم بالتأكيد مع متطلبات الواقع الراهن، لا من حيث طبيعة المسائل، لا من حيث ترتيبها.

فمن حيث القضايا والمسائل ثمة ثوابت، لا يقوم الفكر العقدي بدونها، وهي أساسيات العقيدة الإسلامية، فيما تقوم عليه، من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر الإلهي خيره وشره، فهذه ستظل باقية ركنًا ثابتًا في الفكر العقدي، على مر العصور؛ لأنها من جهة تمثل ركائز الإيديولوجية الإسلامية، التي تتفرع منها وجوه المنظومة الفكرية والسلوكية كلها، وهي من جهة ثانية عرضة للتحدي الإيديولوجي في كل زمان، مما يجعل الدفاع عنها أمرًا ساريًا بسريان ذلك التحدي.

إلا أن المنظومة المأثورة في الفكر العقدي، اشتملت على العديد من المسائل والقضايا، ذات الصلة بالعقيدة الإسلامية، أفرزتها ظروف واقعية، انقرضت بانقضاء زمنها، فلم يبق اليوم مبرر لبحثها في الفكر العقدي الحديث، إلا أن يكون ذلك باعتبارها جزء من تاريخ الفكر الإسلامي، فقيمة البحث فيها قيمة تاريخية، وليست قيمة واقعية، تسهم في حل المشاكل الراهنة، ومن الأمثلة التي يمكن أن نذكرها في هذا الصدد، قضية الذات الإلهية، في علاقتها بالصفات، وقضية خلق القرآن، وتأويل الصفات الخبرية، والمفاضلة بين الأنبياء وبين الملائكة، والمعاد هل هو جسماني أو روحاني، وأشباهها من المسائل، التي لا تمثل اليوم إشكالات عقدية ولا عملية في حياة المسلمين، ولكنك تجد بعض الطوائف الإسلامية، ما زالت تتشبث ببعضها، متخذة منها محورًا للجدل، ومنشطًا للفكر العقدي، يلهي عن المشاكل الحقيقية، التي ترهق الواقع الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت