الصفحة 150 من 233

وقد ذكرنا آنفًا ، أن العقلية التي أصبحت سائدة، هي العقلية العلمية، أي العقلية التي تقتنع بالأسلوب الذي يستخدم معطيات العلم التجريبي، والذي يستخدم أيضًا معطيات الواقع الإنساني، فيما يزخر به من تجارب نفسية واجتماعية، وفيما تنجم فيه من مشاغل ومشكلات، وفيما يثمره التاريخ من العبر والعظات. فالواقع الكوني، والواقع الإنساني، هما المادة الصالحة، لأن تتخذ منهما مقدمات استدلالية مقنعة للعقلية الراهنة.

وليس هذا المنهج بدعًا في الثقافة الإسلامية، بل هو منهج قديم فيها، فالقرآن الكريم بُني خطابُه الإقتناعي على أصول الواقع الكوني والإنساني. وهو ما يبدو في استخدام الآيات الكونية مقدمات في الاستدلال على حقائق العقيدة، واستخدام العبر التاريخية ، باعتبارها وقائع إنسانية، في الإقناع بما يبشر به من تعاليم، تتعلق بمصير الإنسان، وغاية وجوده، والانطلاق من المصلحة العملية للإنسان في حمله على التسليم بأسس العقيدة الإسلامية. (15)

ويمكن أن نعتبر مما يندرج في هذا المنهج من جانبه العلمي ما أدخل في علم الكلام من مسائل طبيعية، تمثل في الزمن القديم معطيات علمية، حيث استخدمت هذه المعطيات في الاستدلال على مسائل العقيدة، وذلك مثل مسائل الخلاء، والمكان، والجوهر الفرد، والحركة، والجوهر والعرض، وما شابهها، وإن يكن البحث فيها في ذلك الزمن يكتسي صبغة إيديولوجية، إلا أن أصل استخدامها كمسائل طبيعية يشير إلى منهج علمي في الاستدلال على العقيدة، يمكن استثماره في بعث المنهج الجديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت