فهرس الكتاب
ويقتضي هذا المنهج الواقعي في جانبه العلمي رصد نتائج العلم التجريبي، في دائرته الكونية، ودائرته الإنسانية، واستخلاص تلك الحقائق، التي تنطوي على دلالة واضحة على مسائل العقيدة، ثم بناء أدلة عقلية منها على تلك المسائل، ومن البين أن الحقائق العلمية بلغت من الثراء في العلم الحديث ما تكون به مصدرًا لا ينفد للاستدلال على حقائق العقيدة، وهو مصدر متجدد بنمو الاكتشافات لقوانين العلوم، ففي كل قانون جديد دليل جديد، على تلك الحقائق، وتبقى صياغته المنطقية للاستدلال والاقتناع من مهمة الفكر العقدي. وهذا القول يصدق في حق المسائل العقدية النظرية، كما يصدق في حق المسائل التشريعية العملية، من جهة إثبات حقانيتها، كما بيناه آنفًا، وربما قيل: إن قوانين العلم ليست قطعية كلها، بل بعضها قابل للتعديل بين الحين والآخر، فكيف تتخذ منها أدلة على حقائق ثابتة؟ والجواب أن الاستدلال بما قد يثبت خطؤه لا ضير فيه، بحسب قاعدة أن بطلان الدليل لا يؤذن ببطلان المدلول، وإنما يُستأنف الاستدلال عليه، بما هو أقوى وأثبت، من حقائق العلم.
كما يقتضي هذا المنهج في جانبه الواقعي، رصد مجريات الأحداث في واقع الإنسان، من حيث ما يعانيه من الإحباط النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وما هو سائر إليه من مصائر مظلمة، بسبب مناهج يتبعها في حياته، ناشزةً عن الهدي الديني، في توجيه السلوك البشري، وكذلك بيان الوجه المعاكس لها، متمثلًا في المغانم الروحية والمادية، التي يثمرها ذلك الهدي، وإبراز ذلك كله في استطلاعات ميدانية إحصائية، ثم صياغتها في استدلالات عقلية، على حقانية القانون الإسلامي، وبطلان مناقضاته من القوانين الوضعية، بما يبرز أن حلول المشاكل، التي يعاني منها إنسان اليوم، في المجال النفسي والاجتماعي والاقتصادي، تمر عبر التشريع الإسلامي في أسسه الأصلية الثابتة.