الصفحة 152 من 233

وليس من شأن هذا المنهج الواقعي، الاقتصار على هذه الاستدلالات ذات الطابع الجزئي، في استخدام حقائق العلم الكوني، ومجريات الأوضاع الإنسانية، بل من شأنه أيضًا، أن يؤسس فلسفة توقيعٍ لحقائق الدين المجردة. على معنى أن يقوم الفكر العقدي الحديث بتأصيل قواعد، تساعد في صياغة الحقائق الدينية المجردة، صياغة تتقوم بمعطيات الواقع الجاري في حياة المسلمين، حتى يتسنى بها تنزيل الدين تنزيلًا زمنيًّا على هذا الواقع، فيما يشبه العمل الذي يقوم به المهندسون المعماريون، حينما يرسمون أمثلة عمرانية، يصوغون فيها من مطلوبات الناس ما يقوم على أساس من القانون الرياضي والفيزيائي في علم العمران ، وما يستجيب في الآن نفسه لطبيعة الأرض، التي يُراد أن يقام عليها العمران.

إن حقائق الدين حقائق مجردة وثابتة، وظروف الحياة الواقعية منقلبة متغيرة، وهي في كل منقلباتها ينبغي أن تكون محققة لأغراض الدين المجردة، ولا يكون تحقيق هذه الأغراض، إلا بصياغة مشاريع عملية، من تلك الحقائق المجردة، تتوجه بها الحياة الواقعية وجهة دينية، فيحقق الدين أغراضه في توجيه الحياة. والأدب المنهجي الذي تتم به تلك الصياغة هو مهمة الفكر العقدي، وهي مهمة لا يمكن أن تتم بغير الإلمام الوافي بواقع الإنسان، في طبيعته وخفاياه، والعوامل المؤثرة فيه، ولذلك عددناها عنصرا من المنهجية الواقعية المطلوبة من هذا الفكر في الزمن الراهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت