فهرس الكتاب
ألمحنا سابقًا إلى أن المقصود بالشريعة هو الأحكام الدينية، التي تتعلق بضبط السلوك الفردي والاجتماعي للإنسان، ضبطًا شاملًا لكل أنواعه ومناحيه، والشريعة تقابل العقيدة، التي هي أحكام تتعلق بما ينبغي الإيمان به من حقائق تصوريّة، من طبيعتها أن تتحمل بالتصديق العقلي، وإذا كانت العقيدة تمثل الأصل المبدئي للدين، فإن الشريعة تمثل الوجه التطبيقي له في واقع الحياة اليومية، وهي لذلك أحكام ذات صلة مباشرة بالمظاهر الواقعية للحياة، إذ هي توجيه لتلك المظاهر وجهة ما يحقق مصلحة الإنسان.
ولما كانت أحكام العقيدة تهدف إلى الإيمان العقلي بجملة حقائق، تخبر بما هو كائن، في مجال الألوهية والنبوة والبعث، وما يتعلق بها، فإنها جاءت أحكامًا متصفة بالقطعية والثبات، بحيث لا ينالها في ذاتها، الاحتمال، أو التأجيل، أو الاستحداث، ومن دواعي ثباتها أيضًا، أن تحملها يكون بالتصديق العقلي، الذي يخضع لمنطقية ثابتة منضبطة، هي منطقية العقل في قوانينه الإدراكية، وأما أحكام الشريعة فإنها لما كانت متعلقة تعلقًا مباشرًا بالحياة في واقعها، وهو واقع يجري على منطق غير منضبط ولا مطرد تمامًا، فإنها كانت أحكامًا تحمل من المرونة ما يتسع لاجتهاد عقلي في الترجيح والاستثناء والاستحداث، ليقع بذلك كله مداورة منقلبات الواقع، في طوارئه غير المنضبطة، ومداورة تهدف إلى تحقيق مصلحة الإنسان، من خلال تلك الأحكام، مهما كانت الظروف والأوضاع، التي تنقلب إليها الأوضاع.