الصفحة 155 من 233

وتتمثل هذه المرونة في الأحكام الشرعية، في أن أكثر هذه ا لأحكام أحكام كلية، تنفسح لصور تطبيقية عدة، ومثال ذلك حكم الشورى، الذي هو حكم ديني واجب، وهو يتسع في تطبيقاته الواقعية لكيفيات متعددة، يحقق بكل واحدة منها التدين بهذا الحكم الواجب، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحكم الديني الواحد في مجال العادات، وهي أكثر أحوال الحياة، يدور مع الجنس الواحد من فعل الإنسان، بحسب ما تتحقق في أفراده العينية من مصلحة ، فقد يكون الفعل الواحد في جنسه مأمورًا به في فرد من أفراده إذا حقق مصلحة بحسب ظرفه، ومنهيًّا عنه في فرد آخر، يجر مضرة بحسب ظرفه أيضًا، وقد قرر الإمام الشاطبي هذا المعنى في قوله: إنّا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز (1) . وفسر هذا الدوران في الحكم مع دوران المصلحة، بطروء العوارض والملابسات الظرفية، التي تجعل الفعل الواحد صالحًا في حال، وضارًا في حال، فيتغير حكمه الديني بحسب ذلك، وفي ذلك يقول:"اقتضاء الأدلة للأحكام بالنسبة لمحالّها على وجهين:"

أحدهما: الاقتضاء الأصلي قبل طروء العوارض، وهو الواقع على العمل مجردًا عن التوابع والإضافات، كالحكم بإباحة الصيد، والبيع، والإجارة، وسنّ النكاح، وندب الصدقات غير الزكاة، وما أشبه ذلك.

والثاني: الاقتضاء التبعي، وهو الواقع على المحل، مع اعتبار التوابع الإضافات، كالحكم بإباحة النكاح لمن لا أرب له في النساء، ووجوبه على من خشي العنت، وكراهية الصيد لمن قصد فيه اللهو، وكراهية الصلاة لمن حضره الطعام، أو لمن يدافعه الأخبثان، وبالجملة كل ما اختلف حكمه الأصلي لاقتران أمر خارجي". (2) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت