الصفحة 156 من 233

وإذا نظرنا في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية ألفيناها كثيرة التغير في مجرياتها، حتى إن الإنسان لا يستمر على حال في مزاولة حياته، بل هو متحول أبدًا، من نمط إلى نمط، ومن وضع إلى وضع، بحسب ما تطرأ عليه من ملابسات، وما يكسب من معارف بحقيقة الكون، وما يجدد من وسائل لاستثماره، وما ينتج عن كل ذلك م أنماط في التعامل الاجتماعي، وأشكال في التنظيم السياسي، فكيف يمكن للمسلم في هذه الأحوال المتغيرة من حياته أن يلائمها جميعًا مع أحكام الدين، التي لا تنصّ إلا على كليات الأفعال؟

إن ذلك يتم بعمل اجتهادي مستمر، هو أقرب في طبيعته إلى اجتهاد الفتوى، ولكنها فتوى في أوضاع عامة، لا في أحداث شخصية جزئية، وفي هذا الاجتهاد تصاغ من أحكام الدين العامة منظومة من وجوه تلك الأحكام وكيفياتها ومقاصدها، من شأنها أن توجه الأوضاع المستجدة بما يحقق المصلحة، وهي غاية الدين،وليست هذه الصياغة أمرًا هيِّنًا، بل هي على درجة كبيرة من الخطورة، باعتبار أنها اجتهاد دائم لجعل الحياة تتحقق على سمت ديني، مع تغاير أنماطها وملابساتها، وبقدر ما تكون هذه الصياغة مترشّدة، بقدر ما يكون في ذلك ضمان لجريان الحياة على سمت الدين المحقق للمصلحة، ومن أهم الأسباب المرشدة لها أن تكون محكومة بمبادئ عامة تجري بحسبها، وتكون لها عاصمًا من الزيغ بسبب من الهوى، أو الوهم، أو التقليد، ونحسب أن من أهم تلك المبادئ المرشّدة للصياغة مبادئ ثلاثة: الواقعية، والتكامل، وتحري المقاصد، وفيما يلي بيان لها بعد ما نقدم بين يديها مزيد شرحٍ لمدلول صياغة الشريعة، ولمحة عن تطبيقاتها في التراث الفقهي.

1-صياغة الشريعة وتطبيقاتها في التراث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت