الصفحة 157 من 233

ليست الأحكام الشرعية في تجريدها المطلق عن قيود التشخص بكافية في حال تجردها لأن تعالج وقائع الحياة وأوضاعها المشخصة، وأن تقوم هذه الوقائع، وهي كما حصلت في الأفهام في صورتها التقريرية المستخلصة من نصوص الوحي؛ وذلك لأن وقائع الحياة تحمل كل منها عناصر ذاتية متأتية من ظروف الزمان والمكان التي لا تتكرر، وهي عناصر تجعلها متفاوتة، وإن كانت متشابهة، ومن هذا التفاوت يحصل تفرد في أوضاع الحياة الفردية والاجتماعية، بحسب الزمان والمكان، مع الحفاظ على أسس عامة لتلك الأوضاع، يتقوم بها الوجود الإنساني الفردي، والاجتماعي في نطاق الدائرة الإنسانية عامة، وفي نطاق طبيعة المجتمع الإسلامي خاصة.

وإذا كانت أحكام الدين المجردة ترشد إلى تقويم الوجود الإنساني في أسسه المشتركة، المتعلقة بمطلق الوجود، بصفة أصلية مباشرة، فإن ما تتفرد به الأوضاع من خصوصيات زائدة عن الأسس المشتركة تستلزم نظرًا اجتهاديًّا في الأحكام ا لمجردة، بعدما استقامت في الأفهام بالنظر الاجتهادي للفهم، ليصاغ منها ما يغطّي بالمعالجة تلك الفوارق بين الأوضاع، وينشأ من ذلك لكل وضع مشخّص حلٌّ شرعي معين، يناسبه ويرتقي به إلى التدين المطلوب، ويكون هذا الحل الشرعي مشتقًّا من الحكم المجرد، ولكنه مصوغ بحسب ما تتطلبه الملابسات الواقعية لكل صورة من صور الحياة الواقعة. وهذا العمل الفقهي، الذي يشتق من الحكم المجرد حلاًّ شرعيًّا يعالج صور الحياة الواقعية، هو الذي سنعبر عنه في هذا البحث بالصياغة، على معنى أن به تكون صياغة الحلول الشرعية الواقعية، من الأحكام الشرعية المجردة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت